رسالة شكر "افتراضيّة" / فادي معلوف

السيّد الراعي
بودّي أن اعبّر لكم عن امتناني وتقديري العميق للمحبّة الطاغية التي تحيطون بها منطقتنا، هنا في الحظيرة الجديدة التي تكرّمتم بإنشائها. لقد حظينا بما لا يحلم به بقر ولا بشر.

أشكركم، لأنكم تقلقون على وقت فراغنا، تدرّبوننا على مقاومة الملل بضراوة. كلّ يوم فيلم أمريكيّ جديد، هذا التنوّع الرائع في القتل مثير للغاية، كلّ يوم مكان جديد للتصوير على سطح هذا الكوكب. مرّة في أفغانستان، ثمّ في العراق، لبنان، فلسطين... رائع هذا التنوّع، إنّها دروس غنيّة تساعد في اكتشاف عمق الحضارة الأمريكية الموحّدة، دروس تعلّمنا أنّ أمريكا الرائعة التي بدأت بتوحيد العالم عبر الماكدونلدز والكوكاكولا - في القرن الماضي-، ها هي ذي توحّده عبر الطائرات التي تقصف والدبّابات التي تقذف. لا فضل لبلد على بلد، الكلّ متساوون، والمساواة هي منبر الديمقراطية الأمريكيّة العظيمة.

أشكركم، لأنّنا أصبحنا من القدرة والقوّة بحيث لا تهزّنا رؤية المباني تهدم على أصحابها. أودّ أن أطمئنكم أنّ صور الهدم الأخيرة كانت مدهشة للغاية. ونطالبكم بمزيد من المشاهد الغنيّة.

أشكركم، على القدرة التي منحتمونا في اعتياد قتل الأطفال. إنّ عرضهم على الشاشة ببثّ حيّ ومباشر ألهم عقولنا وجعلها تتفتّح على التحضّر. قبلكم كنّا فقراء ضعفاء يهزّنا خدش بسيط في جسد صغير؛ بينما اليوم، نتحلّق حول التلفزيون نشاهد الأطفال يخرجون من تحت الردم، ونحن نحتسي الكوكاكولا الأمريكيّة ونأكل الماكدونلدز الأمريكيّ الشهيّ. كم صرنا أقوياء بفضلكم.

أشكركم، يا رعاتنا الكبار، وأودّ أن أشير إشارة هامّة إلى ذكاء قنابلكم. وهو أكثر ما أدهشني في أسلحتكم المطوّرة. لاحظوا كم هي قادرة على فرم وتشويه الجسد البشريّ، ولكنّ لي رجاءً: لم تعد تؤثّر فينا مشاهد الأجساد المفرومة، نحتاج إلى ما يثير الأدرنالين فينا قليلاً، ننتظر اختراعًا جديدًا... بالمناسبة، نقرأ ما يحدث في المعتقلات الأمريكيّة الراقية في أبو غريب وغوانتانامو وغيرهما، ولكنّ صور المعتقلين قليلة، وغير كافية، ألا تزوّدوننا ببعضها علّ الأدرينالين يتحرّر؟!

أشكركم، لأنّ "الشرق الأوسط الأمريكيّ" صار مساحة للانتماءات الطائفيّة المقتتلة. أشكر لكم تبديد انتمائنا لأيّ فكرة إنسانيّة، فالوحش الطائفيّ الذي يتملّك جهلنا المعظّم، جعلنا أكثر قدرة ولياقة على تصوير الأفلام الأمريكيّة بمهنيّة عالية، لقد وفّرتم لنا البيئة الصالحة للتربية الأمريكيّة العريقة. التربية على التقتيل.. أشكركم.

***

وبعد
... لقد أرهقتني أيّها الراعي الأمريكيّ وأنا أصوغ لك هذه الرسالة. أشعر برغبة في التقيّؤ حقًّا. لذلك لا بدّ أن أؤكّد لك، أنّ هذا المواطن العَرَمريكيّ الذي يشكرك، لن تقوم له قائمة. إنّ الإنسان العربيّ المتأصّل في حضارة الروح والأخلاق، الإنسان الذي تمتدّ جذوره إلى ما هو أبعد وأعمق بكثير ممّا يستطيع إليه عقلك المختلّ ونفسك المشوّهة المتخمة بعقد النقص وجنون العظمة – يعي، بقوّةِ الأرض التي أنجبته، أنّ الكرامة والهويّة لا تباع ولا تشترى. يعي أنّه سليل بابل والفراعنة والكنعانيّين والفينيقيّين، هؤلاء كلّهم أعطوك رسالة الحضارة التي مزّقتها، بيد أنّهم أبقوا في جذور أرواحهم التي لا تراها سرّ صناعة الإنسان... وهو الشيء الذي لم تتعلّمه بعد، ولا أظنّك ستتعلّمه يومًا.