في ذكرى عدوان الخامس من حزيران/ عوض عبد الفتاح

يصعب تصْديق مرور 39 عاما على عدوان 1967 من دون التمكن من إلحاق هزيمة بإسرائيل العدوانية والتوسعية والإستيطانية، على يد قوة بشرية (عربية) تعدادها أضعاف أضعاف عدد سكان اسرائيل، لديها موارد طبيعية ضخمة. ويصعب تصديق أن ما يسمى المجتمع الدولي، وبالتحديد النظام السياسي الأمريكي وغالبية حكومات أوروبا، واصل دعمه لآخر احتلال استيطاني على الأرض في هذا العصر الذي ارتفعت فيه نبرة خطاب حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الإنسان والشعوب.

هذا الغرب الذي أقام اسرائيل بقرار مسبق تحت ذريعة أخلاقية تكثف ترديدها والتسلح فيها بعد الحرب العالمية الثانية، حاول جزء منه بعد عدوان 67 الظهور بمظهر الرافض للإحتلال خاصة عبر إصدار القرارات الدولية من مجلس الأمن والأمم المتحدة التي ترفض الإحتلال وتغيير الوقائع على الأرض المحتلة. ولكنه واصل تقديم السلاح والدعم المادي والسياسي ورفض استعمال الضغط أو القوة لإجبارها على إنهاء الاحتلال كما تعامل مع العراق عام 1991.

لقد تعامل الغرب، حكومات في الأساس، مع إسرائيل كجزء من ثقافته وكامتداد له في الشرق، في المنطقة العربية التي كان تمزيقها والسيطرة على مواردها والإستفادة من موقعها الإستراتيجي الهدف المركزي. ولم تكن مساعدة اليهود وإنقاذهم من الإضطهاد الذي تعرضوا له في أوروبا الحافز وراء مخطط الإستعمار الغربي. ببساطة تلاقت مصلحة الحركة الصهيونية في بناء كيان سياسي مستقل لهما مع الطموحات الإستعمارية لدول الغرب الأوروبي الذي حلّ محله العم سام.

كان عدوان 67 عدواناً إسرائيلياً أمريكياً، هدفه تكريس نتائج حرب 48 واستكمال احتلال كل فلسطين وتحطيم المشروع القومي العربي الذي قاده القائد العربي الراحل جمال عبد الناصر. فالعدوان الثلاثي الإنجليزي - الفرنسي - الإسرائيلي عام 1956 الذي تحطم على صخرة الصمود الشعبي المصري وأعطى زخماً وامتداداً شعبياً لمشروع وقيادة عبد الناصر في مصر وعموم الوطن العربي أخاف إسرائيل والغرب وهدّد مصالحهما التوسعية.

إن آثار العدوان لا تزال قائمة وإفرازاته تتفاعل على الأرض، إذ أخذ الإحتلال بعداً إجلائياً واستيطانياً قوامه بناء المستوطنات ونهب الأرض والموارد الفلسطينية. لقد عجزت انظمة الدول العربية عن تحرير أرضها، فنظام أنور السادات في مصر الذي ارتد عن خط عبد الناصر استعاد رمال جزيرة سيناء منزوعة السلاح وناقصة السيادة مقابل التخلي عن دور مصر في المنظومة العربية وعن القضية الفلسطينية. أما سوريا فعاجزة حتى الآن عن استعادة أراضي الجولان ولكنها لم توقع على اتفاق استسلام مع اسرائيل ومعها لبنان الذي نجح في طرد المحتل الإسرائيلي من دون اتفاق ومن دون تفاوض وهي سابقة في تاريخ الصراع مع إسرائيل.

وإذا كان الهدف الرئيسي من شن عدوان 67 وزرع الأرض الفلسطينية بالإستيطان وإلحاق الإقتصاد الفلسطيني بالإقتصاد الإسرائيلي، مهشماً ضعيفا، تركيع الفلسطينيين وتحويلهم الى عبيد لدى اسرائيل، والقضاء على حركتهم الوطنية وطموحاتها في التحرير والإستقلال، فإن الوقائع تؤكد أن إسرائيل أخفقت في ذلك. فحتى اتفاقية أوسلو التي جاءت في لحظة ضعف، لم تمنع الفلسطينيين من التمرد على الإحتلال والإستيطان والقمع وكشف حقيقة أن الإحتلال لا يزال قائماً.

لم ينجح الفلسطينيون وحركتهم الوطنية في تحرير أرضهم، ولكن أيضاً إسرائيل لم تنجح ولن تنجح في كسر شوكتهم وتحطيم طموحاتهم. بل بالعكس فقد أدى استمرار الإحتلال والقمع وعمليات الإغتيال المستمرة والنهب، وتهويد الأرض، الى إعادة طرح التناقض الرئيسي بين الإحتلال والشعب الواقع تحت الإحتلال، والى إعادة شحذ الوعي الجماعي القومي في صفوف الشعب الفلسطيني ونخبه وفي أوساط الشعوب العربية.

بطبيعة الحال فإن طول مدة الإحتلال تؤدي من بين أمور أخرى الى تناقضات ثانوية داخل صفوف الشعب والحركة الوطنية وذلك على خلفية الجدل حول أفضل السبل لإلحاق الهزيمة بالاحتلال وبناء الدولة. وهذا ما نشهده في الآونة الأخيرة، حيث يقف أمام الحركة الوطنية الفلسطينية تحدٍ حقيقي يتمثل في ضرورة إعادة القضية الى مكانتها الأصلية بأنها قضية تحرر وطني وتحتاج الى حركة وطنية يقودها أشرف الناس وأحكمهم وأكثرهم كفاءة.