من أين تأتي بالذخيرة كلها../ حنين زعبي

تستطيع الحركة السياسية أن تحدد أولوياتها فتقول: إن الجهد الأكبر هو لمقاومة السلطة، أو الجهد الأكبر لبناء وتنظيم مجتمعنا، أو الجهد الأكبر للدعوة الإسلامية. ويستطيع الإعلام أن يحدد أجندته، أو يستطيع أن يتركها اعتباطية تحدد نفسها، أو يستطيع تركها لقوى السوق تتحكم بها. ويستطيع أي تنظيم شعبي أن يحدد القضية وجمهور الهدف، وتستطيع كل جمعية تحديد أهدافها وجمهور هدفها.

لكن هنالك من لا يستطيع. هنالك من لا يحدد صراعه في جمهور هدف معين، هنالك من يقطع صراعه حدود السلطة والمجتمع، حدود المؤسسات الدينية وجمعيات حقوق الإنسان، حدود المؤسسات الدينية وحتى حدود بعض الجمعيات النسائية.. إنها المرأة.

إنها المرأة حيث لا تشكل فئة اجتماعية، ولا طبقة اقتصادية، ولا تشكل تياراً دينياً، ولا مجموعة قومية، ولا فكراً سياسياً محدداً، ولا قيماً اجتماعية محددة. إنها المرأة التي يتقاطع صراعها مع جميع الصراعات الممكنة في المجتمع، ولأنها كذلك يستطيع التقدمي/ة أن تتكلم باسمها، فحقوق المرأة هي حقوق إنسان، والمناضل من أجل العدل والحرية والمساواة مرشح طبيعي للنضال من أجل المرأة، ويستطيع رجل الدين أن يتكلم باسمها وأن يجعل الدين حليفها ونصيرها، ويستطيع الأصولي/ة أن يتكلم باسمها وأن يجعل الغرب عدوها، ويستطيع القومي/ة أن يتكلم باسمها وأن يجعل نضالها جزءا من نضاله، وتستطيع الجمعيات النسوية أن تتكلم باسمها وتستطيع الجمعيات النسائية الإسلامية ليس فقط أن تتكلم باسمها بل وأن تهاجم الجمعيات النسوية أيضا باسمها!.

النضال مع أجل مكانة المرأة وحقوقها هو النضال الوحيد الذي يستطيع التملص من منظومة عينية من القيم، فإذا كان الأصولي والإسلامي والتقدمي والليبرالي والقومي، وحتى العضو العربي في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي يستطيع أن يتكلم باسم المرأة العربية، معنى هذا، أن ذاك العنوان "نضال المرأة" لا يكفي لتعريف النضال، ولا يكفي لوضع معالم واضحة تميز بين الخصم وبين الصديق – كما على كل نضال أن يفعل-وإذا لم يميز عنوان النضال بشكل واضح بين الخصم وبين الصديق، فمعنى هذا ليس فقط أن وجهة النضال غير واضحة وأن موضوعها غير واضح، بل يعني هذا أنه وسيلة للاستخدام والتوظيف السياسيين من قبل كثيرين أكثر بكثير مما هو وسيلة حقيقية للنضال.

دخول الأصولي والإسلامي والتقدمي والوطني والصهيوني بنفس السهولة لمجال "نضال المرأة" يعني أحد الأمرين: أو أن نضال المرأة يحتمل ويستطيع التعايش مع هذه المرجعيات السياسية الأخلاقية شاسعة الاختلاف والمليئة بالتناقضات بنفس التسامح، أو أنه لا يوجد "نضال للمرأة"، بل يوجد "نضالات للمرأة". نضال المرأة الليبرالية مختلف عن نضال المرأة المحافظة، نضال المرأة العلمانية مختلف عن نضال المرأة المتدينة، نضال المرأة الوطنية مختلف عن "نضال المرأة عضوة الحزب الصهيوني"، هذه نضالات مختلفة للمرأة، ويتم التمييز بين الأصدقاء وبين الخصوم وفقا للنضال نفسه، أي وفقا للمرجعية الفكرية – السياسية للنضال.

وكما استطاعت التيارات السياسية العربية في الداخل –القومي، الشيوعي والإسلامي- توضيح التمايز فيما بينها – ليس بالضبط، ما زال هنالك الكثير من الغموض والتقاطعات والمسكوت عليه-، ووصلت إلى قرار وقناعة – أرجو ذلك فعلا- أن تلك التيارات هي عبارة عن اجتهادات مختلفة لكن شرعية للنضال السياسي فيما يتعلق بمكانة العرب في وطنهم وعلى وطنهم، على التيارات النسائية المختلفة أيضا، أن تصل لقناعة أنها أيضا اجتهادات مختلفة لكنها شرعية وتسعى في نفس المسعى، وإن اختلفت مصباتها.

بعد هذا التمييز، نستطيع أن نستعمل مصطلح "نضال المرأة" ليس للإشارة لنضال منسجم عيني بحد ذاته، بل للإشارة إما لمحصلة تلك النضالات جميعها، أو للقاسم المشترك الأدنى بينها، لكنه في كل الأحوال يبقى مصطلحا مهما، كونه يؤسس لبعد قيمي له استحقاقاته، وأولى تلك الاستحقاقات هو الاعتراف بشرعية تلك النضالات جميعها، ومحاولة مراكمة إنجازاتها، ومحاولة رص الصفوف لكل القوى الفاعلة ضد القاسم المشترك الأدنى لتلك النضالات.

لكن ما يعقد مسألة نضال المرأة فعلا، ويصعب من مراكمة إنجازات ذلك النضال – كما يحدث بشكل ما في مجال النضال السياسي للعرب في الداخل- هو ليس فقط تعددية اجتهاداته، لكن أيضا تعددية مرجعياته، بل وتناقضها. برامج النضال السياسية المطروحة بشكل جدي أمام الدولة العبرية لا تتعدى إنهاء الاحتلال بكل تبعاته، دولة المواطنين والمساواة القومية في أوسع تطبيقاتها، والاعتراف بالغبن التاريخي للشعب الفلسطيني، أي مرجعية ديمقراطية ليبرالية، وفيما يتعلق بتنظيم المجتمع الداخلي فالبرامج المطروحة سواء تلك المتعلقة بتنظيم المجتمع، بناء المؤسسات القومية أو المجتمع العصامي فهي أيضا اجتهادات غير غريبة عن الفكر الحداثي الديمقراطي. أما فيما يتعلق بمرجعيات نضال المرأة فإلى جانب المرجعية الليبرالية تدخل المرجعيات الدينية بشكل فاعل ومركزي، ليس ذلك فقط بل إن المرجعيات الأخيرة شديدة التعددية تبدأ بالدعوة لمصالحة بين الدين وبين الحداثة، وتنتهي بمقاطعة شبه تامة بين إثنيهما.

إذا القاسم المشترك الأدنى للنضالات السياسة في واقع الفلسطينيين في الداخل أوسع وأكثر صلابة، من القاسم المشترك الأدنى لـ"نضالات المرأة" وهذا يعود بالإضافة إلى ما تقدم إلى سببين هامين: أن الاجتهادات السياسية خاضت عشرات السنين من التجربة وبالتالي خضعت لتطورات ومراجعات أدت لتقليص البعد بينها وتوسيع قاعدة الإجماع، بينما لم تخضع الاجتهادات النسائية أو النسوية حديثة العهد لمراجعات وتطويرات، وهي موجودة -نستطيع أن نقول- حاليا في صيغتها البدائية سواء الدينية منها أو الليبرالية، وثانيهما: أن منجزات الحداثة أثرت وحددت من شكل النظام السياسي لجميع المجتمعات بما فيها -المجتمعات الإسلامية- أكثر بكثير مما أثرت على الثقافة الاجتماعية للشعوب، خاصة تلك المتعلقة بمكانة وحقوق المرأة.

ومما يصعب كثيرا نضالات المرأة بالإضافة إلى تعددية مرجعياتها، أمور يجدر بالجمعيات النسائية الإسلامية تحديدا عدم إغفالهما، أولهما: الإرباك المقصود بين الموروث الاجتماعي وبين الموروث الديني، وثانيهما عملية البتر التاريخي المنهجي والعنيد للأجزاء المتنورة من التراث والاجتهادات الدينية، وثالثهما: عملية خنق وتكفير الاجتهادات الدينية المتنورة، لكن ليس هذا المقام لذاك المقال.

* * *
نحن في واقع يحتم علينا إحترام كافة التوجهات التي تدعو للعدل وللتحرر وللنهضة المجتمعية العامة، وفي وضع يحتم علينا احترام الأخلاق والقيم في السياسة وفي المجتمع، وفي وضع يحتم علينا التشديد على التوجه القيمي للنضالات – أي التوجه للنضال كوسيلة لأهدافه فقط- وتمييزه من التوظيف السياسي الأداتي للنضال –استعمال النضال من أجل أهداف أخرى خارجه عنه-.
كما أننا في واقع يحتم علينا الحذر من الموديل الإسرائيلي: "ماذا فعل لكم النضال"؟

هذا الحذر يسقط تلقائيا التساؤل المستهدف غير الهادف، "ماذا فعلت الجمعيات النسوية" في الداخل في قضية اغتصاب النساء في العراق...؟ حيث يحضر العراق أمامنا، فجأة على شكل امرأة مغتصبة، بعد 16 عاما قطعت فيها أوصاله، وانتهكت منجزاته، وديست حياة أفراده رجالا ونساء وشبابا وأطفالا وشيوخا، علماء وعاملين وفلاحين... وحيث يتحول العراق من قضية سياسية تختصر وتكثف قضايا العالم العربي والقرصنة الأمريكية، قضية انتهاك سيادة ومنجزات أمة، قضية احتلال وقمع، إلى قضية محض نسوية! فتختصر محاسبة الشعوب العربية وأنظمتها، وشعوب العالم وأنظمته إلى محاسبة للجمعيات النسوية في الداخل!
حقا ماذا فعلت الجمعيات النسوية عندنا، من أجل تحرير العراق من الجنود الأمريكيين؟ وحقا، كيف لم يخطر لأحد من قبل هذا السؤال؟

توجيه هذا السؤال ليس ضربة جيدة للاحتفاء بضعف الجمعيات النسوية أو تقصيرها، بل هو مناسبة جيدة لاستيعاب كم الضحالة السياسية والنسوية التي يمكن أن تغمرنا.

إذا أراد من أراد أن يبحث أو تبحث عن عنوان سياسي لما يحدث في العراق فهنالك من هو أكثر ملاءمة من الجمعيات النسوية في الداخل، وإذا أراد من أراد أن يبحث أو تبحث في العراق عن عنوان "نسوي" بامتياز يستطيع فصله عن مآسي وفوضى ودم العراقيين، فهناك قضية الجنديات الأمريكيات اللواتي يغتصبن من قبل الجنود الأمريكيين! فماذا تقولون؟

إن التوجه القيمي للنضالات بشكل عام ولنضالات المرأة بشكل خاص، بالتعامل معها كنضالات متعددة المرجعيات تكاملية وتراكمية يحتم على الجمعيات النسائية الإسلامية التوجه للجمعيات النسوية كجمعيات زميلة، وكجمعيات شريكة في النضال وإن اختلفت معها في أدواته وفي مرجعيته الفكرية، تماما كما تفعل الأخيرة في تعاملها مع الأولى. حرية المرأة، مساواتها مع الرجل، تعزيز ورفع مكانتها في الحيز العام، تطوير ثقافة تعزز من تلك القيم وتدعمها، تطوير شروط اجتماعية اقتصادية تتيح للمرأة ممارسة وترجمة مساواتها وحريتها وقدراتها هو مشترك مهم جدا بين تلك الجمعيات، وهو مشترك مهم جدا بين الجمعيات وبين التيارات السياسية، مشترك علينا ألا نستهتر به وألا نفقده في الصراع – الشرعي- بين المرجعيات الفكرية المختلفة.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019