ويبقى سؤال "ما العمل؟" قائما../ علي جرادات

المُتتبع للمجرى العملي لسياسة حكومة أولمرت، لا بد يلحظ تصعيدا ميدانيا يتنامى، وعلى كافة المستويات والصعد، فالوقائع الإستيطانية لم تتوقف، وتأخذ منحى تنفيذ البرنامج السياسي المعلن لحكومة ("كاديما"-"العمل") الائتلافية منذ تشكيلها، فالتخطيط للبناء في منطقة "عطروت" مثلا يأتي كخطوة أخرى لعزل القدس بعد خطوة تحويل حاجز قلنديا لمعبر "دولي"، ويفرض طرح سؤال:

أليس هذا تطبيقا عمليا لبند "الحفاظ على القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل" كأحد بنود برنامج الائتلاف الحكومي الإسرائيلي القائم؟!!! وخطوات مواصلة بناء جدار الفصل، أليست تنفيذا دقيقا لبند "العمل على تسريع استكمال بناء الجدار" كما ورد في برنامج هذا الائتلاف؟!!! وهذا وذاك مِن بنود برنامج حكومة أولمرت ألا يأتيان تعزيزا وتكريسا لرؤية سياسية ترفض المساومة على القدس، وترفض الإنسحاب إلى حدود الرابع مِن حزيران؟!!! تلك الرؤية التي لا يُجمع عليها "كاديما" و"العمل" فقط، بل تحظى بإجماع كامل سائد السياسة الإسرائيلية مِن "العمل" مرورا بـ"كاديما" عرجا على "الليكود" وصولا إلى غلاة التطرف اليميني مِن أفيغدور ليبرمان و"تجر طالع".

وعمليات القتل والاغتيال والاجتياحات المتواصلة بتصاعد لافت هذه الأيام في نابلس وجنين وطولكرم والخليل ورام الله فضلا عن مواصلة حملات الاعتقال المسعورة، وتطال يوميا عشرات الشباب الفلسطيني، ترى إلى ماذا تشير، وماذا تعكس؟!!! ألا تشير وتعكس تنفيذا مبرمجا لبند ملاحقة وضرب بنية المقاومة الفلسطينية كبند أساسي مِن بنود أجندة حكومة أولمرت؟!!! وكيف يمكن تفسير هذا التصعيد العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية تحديدا، وذلك برغم ما تشهده مِن هدوء ملحوظ على صعيد الفعل المقاوم بالمعنى العسكري للكلمة؟!!! أليس مِن حق المرء مثل أي مراقب، أن يستنتج إندراج هذه العمليات في إطار إصرار الحكومة الإسرائيلية على ممارسة العمليات العسكرية الإستباقية كنهج مارسته كافة حكومات دولة إسرائيل منذ نشوئها وحتى يوم الناس هذا؟!!!

والسؤال الأهم، على ضوء كل ما تقدم فضلا عن استمرار "حبسِ" غزة والإغلاق المتكرر لمعبرها الوحيد، ومواصلة احتجاز الأموال الفلسطينية، واستمرار وزيادة نشر الحواجز الثابتة والطيارة التي تقطع أوصال الضفة الغربية، واستمرار التشبث بكذبة عدم اكتمال شروط توفر وجود "شريك فلسطيني للتفاوض معه"، ومواصلة سياسة الإبتزاز والضغط لتجريع الطرف الفلسطيني للإشتراطات الأمريكية الإسرائيلية لرفع الحصار الاقتصادي والعزلة السياسية؛ نقول على ضوء كل ذلك، كيف يمكن للمرء والحالة هذه أن يأخذ على محمل الجد كل الأحاديث عن رغبة الائتلاف الحكومي القائم في إسرائيل بالعودة إلى طاولة التفاوض، أو استعداده للتوجه إلى إعادة بناء عملية سياسية جادة كما تحاول الآنسة رايس والبيت الأبيض مِن خلفها الإشاعة وتعمية الأبصار؟!!! وألا تعكس عملية مواصلة هذه الإجراءات على الأرض زيف وبطلان الدعاية الأمريكية الإسرائيلية عن أن سياسة فرض الرؤية الإسرائيلية مِن طرف واحد "لم تعد أولوية"؟!!! وألا يشير استمرار تلك الإجراءات إلى أن هذه الدعاية لا تعدو كونها ذرا للرماد في العيون، وبيعا للسراب بالتمام والكمال، وإلى أن مِن الصعب على مَن يحترم عقله أن يصدق أن هذه الدعاية إنما تأتي في إطار التغطية والتمويه على ما يتم الترتيب والتحضير له مِن مفاجآت ومغامرات عسكرية في غير مكان مِن المنطقة ؟!!!

والتحرش الإسرائيلي بجوار المسجد الأقصى وتحته، ألا يعيد للأذهان ما كان جرى في أيلول 2000 حين قرر شارون (وأذِنَ له باراك كرئيس للحكومة) زيارة ساحة المسجد، وذلك برغم التحذيرات مِن تنفيذ مثل هذه الزيارة، وما سينجم عنها، وما سيترتب عليها مِن عواقب تأكدت صحة توقعاتها بما تلاها مِن اشتعال للنار في السهل كله؟!!! بلى، إن مناظر الإشتباكات التي جرت في ساحات المسجد قبل أسابيع أعادت إلى الأذهان ما كان وقع في ذات الساحات في أيلول 2000، أي يوم ركب شارون بإذنٍ مِن باراك رأسه وقام بزيارته إلى المسجد. يومها حذر المرحوم الشهيد ياسر عرفات باراك كرئيس لحكومة إسرائيل مِن عواقب هذه الزيارة الإستفزازية، ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد تمت الزيارة وكان ما كان بعدها وبفعلها (كشرارة) مِن تجدُّدٍ واسع للاشتباكات الميدانية (انتفاضة الأقصى المجيدة)، بعد بروفة هبة التضامن مع إضراب الأسرى في أيار 2000.

إنها ذات الوقائع، وذات الممارسات تتكرر، ولا جديد فيها سوى التأكيد على ذات السياسة الرافضة للتخلي عن المعالجة الأمنية للصراع التي لا تعكس بدورها إلا إصرارا على عدم مغادرة سائد السياسة الإسرائيلية لعقلية الاحتلال والتوسع والعدوان. والسؤال ما العمل؟!!! هذا سؤال كبير لا يطرق باب مركز القرار الفلسطيني وحسب، بل يتخطاه إلى عتبات وأروقة القمة العربية المتوقع عقدها نهاية الشهر الجاري في الرياض، وبالمناسبة، فإنه ذات السؤال الذي طُرح على الراحل الشهيد ياسر عرفات، ويتكرر طرحه منذ فشل المفاوضات حول "قضايا الوضع النهائي" في قمة كامب ديفيد 2000.

يومها فهم أبو عمار (له الرحمة) رسالة زيارة شارون وموافقة باراك عليها، وربطها بما واجهه مِن صلف إسرائيلي بتغطية أمريكية في مفاوضات كامب ديفيد، وبما ساد تلك المفاوضات مِن عنجهية وصلت حد إعتقاد باراك مدعوما مِن كلينتون بإمكانية إنتزاع توقيع فلسطيني على تصفية القضية الفلسطينية، عبر رشوة التوسيع الكمي لما تم تنفيذه من الشق الإنتقالي(الحكم الذاتي) لاتفاق أوسلو مقابل التخلي الفلسطيني عمليا عن قضايا اللاجئين والقدس والحدود والمياه والتجمعات الأساسية للمستوطنات في الضفة الغربية.

أجل، يومها التقط الراحل عرفات الرسالة، وأدرك أن القيادة الإسرائيلية مسنودة بدعم واشنطن تعد العدة لجولة مِن الصراع الدموي، تحاول مِن خلاله رد الصاع عشرة على لطمة الرفض الفلسطيني لعرض باراك كلينتون، أي أدرك أن تجدد الاشتباك الميداني على نطاق واسع يلوح في الأفق كنتيجة حتمية للفشل وانسداد الأفق السياسي.

لم يتردد الشهيد عرفات يومها، وإن حاول لبعض الوقت تفادي تفاقم الوضع، وراح بـ"الستر" يعد النفس لما هو قادم مِن تصعيد إسرائيلي إتضح بالوقائع صعوبة تفاديه، لأنه غير صدفي، بل مخطط ومقصود، وينطوي على دلالة سياسية، ويهدف لتحقيق هدف سياسي ابتزازي واضح. وباقي القصة معروفة، فقد أدت زيارة شارون، وما تلاها مِن جرائم حرب دموية للجيش الإسرائيلي، وعلى مدار شهر ونيف ضد المسيرات والتظاهرات الفلسطينية المدنية السلمية، إلى اشعال فتيل نار انتفاضة الأقصى التي بدأت سلمية مدنية، لكن دموية الجيش الإسرائيلي المشحون بقرارات تصعيدية مِن المستوى السياسي، قادت إلى تعذر، بل استحالة مواصلة الطابع السلمي لرد الفعل الشعبي الفلسطيني، فقد أدت تلك الدموية إلى حصدِ أرواح عشرات المتظاهرين المدنيين عدا مباشرة مسلسل الإغتيالات والقصف والتدمير، وما ترتب على ذلك مِن مواجهة شاملة لسنوات.

قيل أن القرار الفلسطيني إنجر إلى الملعب الإسرائيلي، أي المواجهة العسكرية الشاملة، وهذا الرأي، وإن تضمن جزئيا قدرا مِن الصحة بسبب تباين الأجندات الفلسطينية، إلا أنه (الرأي) غير دقيق، بل وخاطيء بالمطلق، ليس فقط لأنه ابتلع كذبة إسرائيلية إتهمت الراحل عرفات بتقرير المواجهة العسكرية، بل أيضا لأن تلك المواجهة فُرضت على الشعب الفلسطيني، وكانت، وإن بلغة عنيفة، إمتدادا لسياسة أمريكية إسرائيلية تصر على "تبليع" الفلسطينيين صيغة الحكم الذاتي بمعزل عن "تزويقاتها" في كل مرحلة كحل نهائي يطوي جوهر قضيتهم لأجل غير مسمى على الأقل. هذا هو ما رحل بسببه عرفات شهيدا، ولكن رحيله لم ينهِ سؤال:

ما العمل فلسطينيا وعربيا مع مواصلة واشنطن وتل أبيب لهذه السياسة، وتدعيمها بإجراءات فرض الحقائق على الأرض ما زالت تجري على قدم وساق، ولم نُشر إلا إلى اليسير منها؟!!!

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019