يتربصون بغزة../ علي جرادات

إبتلعت إسرائيل أرض الفلسطينيين، وإقتلعت غالبيتهم منها، وأقطعتها لمستوطنيها. ورفضت، ولا تزال، ولو عقد تسوية سياسية متوازنة معهم. الأمر الذي فرض انتهاجها، وبصورة مفتوحة ودائمة، مواصلة محاربة ما أفرزه احتلالها مِن مقاومة. وفي هذا تجلي واضح ومُحدَّد لمقولة: "الحرب إمتداد للسياسة، ولغة عنيفة لها".

ولتبرير ثبات سياستها الاحتلالية الرافضة للتسوية السياسية، وما فرضته مِن اعتداءات متواصلة، ابتدعت القيادة الإسرائيلية كذبة "التخريب والمخربين" لأمنها وإستقرارها وأمن مواطنيها. ومؤخرا، وتماشيا مع الإختراع الأمريكي في وصف مقاومة الشعوب المقهورة "بالإرهاب"، تحول الفلسطينيون في الأيدولوجيا الإسرائيلية مِن "مخربين" إلى "إرهابيين". وزاد نهج ضرب مقاومتهم الدفاعية المفروضة، وتجلى أكثر إعتماد الإسرائيليين على قاعدة عبرية قديمة تقول: "مَن يستيقظ لقتلك، بكَِّر وأقتله"، وهي القاعدة التي استل منها بن غوريون نظرية الحرب الإسرائيلية، وطورها بما يستجيب لروح العلم العسكري الحديث بالقول: "هاجم العدو في أرضه قبل أن يهاجمك في أرضك"، أي نظرية "الضربات الإستباقية" التي سار على هديها ورثة بن غوريون في القيادة الإسرائيلية، وطوروها بما يستجيب لتحولات حركة الصراع في كل مرحلة.

والمتتبع للجدل الدائر هذه الأيام داخل أجنحة القيادة الإسرائيلية، وخاصة منذ الفشل العسكري في العدوان على لبنان، يلحظ بيسر إتهام بعضهم لبعض بالإنزياح عن بعض جوانب تلك النظرية، وعدم الإبداع في ترجمتها، الأمر الذي يعكس أنها (النظرية) ما زالت معتمدة، وأن ما جاءت لتجسيده مِن سياسة، أي رفض التسوية السياسية، ولا نقول السلام، لا تزال قائمة، ولم يتم التخلي عنها، خاصة في التعامل مع الشعب الفلسطيني وبنية مقاومته منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، ووقائع تاريخ الصراع شاهد على ذلك.

فبعد ضرب ظاهرة العمل الفدائي التي نشأت في الوطن، وبعد أيلول الأسود 1970 كثاني ضربة قاسية بعد معركة الكرامة تلقتها في الشتات، رحلت المقاومة الفلسطينية، ولم يكن مضى على إنطلاقتها سوى خمس سنوات، وحطت رحالها في لبنان، ولملمت جراحها، وتمكنت مِن الحصول على "إتفاقية القاهرة" كغطاء سياسي شرَّع تواجدها على الأرض اللبنانية. وتعزز ذاك التواجد بوجود ظهير دولي في مواجهة العداء الأمريكي لها، هذا عدا ما كانت أحرزته في مدى زمني قياسي مِن تأييد شعبي عربي واسع، ودعم مِن غير نظام عربي رسمي، وإحتضان طبيعي مِن قبل كافة حركات التحرر العربية والإقليمية والدولية.

نقول بعد تلك المحطة النوعية في تاريخ المقاومة الفلسطينية، باشرت إسرائيل ضرباتها لبنية المقاومة الفلسطينية في لبنان، وكان إجتياح الليطاني عام 1978 هو أوسع الضربات الإسرائيلية قبل هذا التاريخ، وجاء إنذارا لما تلاه مِن عملية جراحية شاملة تمثلت في إجيتاح عام 1982 الذي ساهم في وقوعه التوقيع الإسرائيلي لإتفاقية كامب ديفيد مع مصر، وإخراج طاقتها ودورها بالمعنى العسكري مِن الصراع.

وكما هو معلوم، فقد أفضى ذاك الإجتياح إلى رحيل الأساسي مِن بنية المقاومة إلى المنافي العربية غير المحاذية لفلسطين. وكان بمثابة محطة نوعية أخرى عكست نفسها بسلبية شديدة على مسار حركة المقاومة وبنيتها. فذاك الاجتياح، وإن لم يسحق المقاومة كليا، فإنه، وبرغم صمود المقاومة الأسطوري أنهكها، وأخرجها مِن حاضن المخيمات في لبنان، وأبعدها عن خطوط التماس مع الأرض المحتلة، ولعب دورا في ضعضعة مكانتها السياسية، خاصة مع ترافق نتائجه مع عاملين آخرين، تمثلا في:

ما وقع ضد ما تبقى لها مِن بنية في لبنان مِن إعتداءات على يد أطراف لبنانية ذات سند عربي رسمي (حرب المخيمات) مِن جهة، وما أفرزته الحرب العراقية الإيرانية العبثية عليها مِن إنعكاسات سلبية مِن جهة ثانية.
وظل الحال على هذا النحو حتى هب الوطن بنجدة إنتفاضة العام 1987 التي شكلت بزخمها وإنجازاتها الملموسة إنتعاشا لبنية المقاومة في الشتات.

بتلك الإنتفاضة الملحمة عادت المقاومة الفلسطينية في الوطن والشتات مرة أخرى إلى زخمها، وفرضت نفسها كحقيقة لا يمكن تجاوزها، بل وتحول معها هدف الاستقلال الوطني مِن طور الإمكانية التاريخية إلى طور الإمكانية الواقعية، وذلك بعد أن ظن أعداء المقاومة الفلسطينية، والإسرائيليون على نحو خاص، أن هذه المقاومة لن تعود إلى زخمها بهذا الزمن القياسي بعد ضربة عام 1982 القاسية. لكن زلزال إنهيار المعادل الدولي (السوفييتي) للقطب الأمريكي الذي ربح حقبة الحرب الباردة، عدا ما تلا هذا التحول مِن عاصفة في منطقة الخليج عقب إقتحام صدام للكويت، وما نتج عنه مِن ضربة قاصمة للطاقة العراقية، عرقل، بل أحبط نشوة وزخم المقاومة الفلسطينية في الشتات وإنتفاضة شعبها في الوطن، ووضعها في أقسى ظرف دولي وإقليمي وقومي، وأحاطها بأشد الظروف السياسية المجافية منذ إنطلاقتها، خاصة بعد ما أنجبته تلك الظروف مِن مساومة عربية رسمية، تمثلت في قبول التفاوض المباشر والمنفرد برعاية أمريكية مع إسرائيل، وتحويل هذا القبول إلى سياسة عربية رسمية جامعة، وغير مذمومة كما كان الحال يوم إختط السادات تلك السياسة.

على نار تلك التحولات العاصفة راحت إنتفاضة الوطن تذبل وتخفت، وحوصرت المقاومة وبنيتها في الشتات، وتعرضت لحصار سياسي ومالي غير مسبوق، فكانت أوسلو التي لعبت في "المقصقص" إلى أن جاء "الطيَّار" بعودة إشتعال كامل السهل الفلسطيني في أيلول 2000 بعد اتضاح عدم إمكانية زحزحة سائد الرؤية الإسرائيلية وسياستها تجاه "قضايا الوضع النهائي" في مفاوضات كامب ديفيد 2000. هنا تكرر مرة أخرى الحظ العاثر للشعب الفلسطيني ومقاومته، حين هبت رياح زلزال الحادي عشر مِن سبتمبر 2001، وما أفرزه مِن عواصف في عموم المنطقة، وإنعكست سلبياتها أكثر ما إنعكست على قضية الشعب الفلسطيني ومعركته المحتدمة أنذاك مع آلة الحرب الإسرائيلية. فتنفس شارون صاحب "خبطة" إجتياح لبنان عام 1982 الصعداء، ونفَّذ بغطاء أمريكي كامل "خبطة" إجتياح آذار 2002 الشامل في الضفة فضلا عن إجتياحات جزئية في غزة التي لم يدخلها بالكامل وردَّ على دعوات القيام بذلك بالقول: "إن مَن يدعونا إلى إجتياحٍ شامل لغزة لا يدري عما يتحدث"، وكان يضمر ما قام به لاحقا مِن فكٍ للإرتباط معها مِن طرف واحد.

منذ تلك المحطة، أي إجتياح الضفة، وبرغم فك الإرتباط الإسرائيلي أحاديا مع غزة، وبرغم تواصل محاولة قيادة المقاومة الفلسطينية محقةً تفادي ضربة قاصمة لغزة على غرار ما وقع في الضفة، فإن أجنحة القيادة الإسرائيلية لم تكف عن التفكير في توجيه ضربة شاملة لغزة، إذ صحيح أن محاذيرَ مختلفة أعاقت القيادة الإسرائيلية مِن الإقدام على توجيه مثل هذه الضربة، وأجبرتها على إستبدالها بقصف جوي موجع ومتواصل بين آونة وأخرى، والقيام بإجتياحات جزئية موجعة مِن طراز حملات "أمطار الصيف" و"غيوم الخريف"....ألخ، إلا أن مبدأ التفكير بالقيام بحملة شاملة لم يتوقف، ولا نظن أنه سيتوقف، بل، ونعتقد أن جوهر التفكير السياسي والعسكري الإسرائيلي ينصب هذه الأيام على كيفية تذليل المحاذير السياسية والعسكرية التي ينطوي عليها القيام بمثل هذه العملية الجراحية الشاملة مِن جهة، ويعمل على التهيئة العملية للقيام بها مِن جهة ثانية، ويتحين توفر فرصة سياسية تغطيها مِن جهة ثالثة. ولعل في ما يتسرب مِن معلومات حول حث القيادة الأمنية الإسرائيلية لمرجعيتها السياسية على تسريع القيام بهذه الضربة، ما يشي بإقتراب زمن وقوعها، وسؤال اليوم: ترى كيف سترد القيادة الإسرائيلية على ما أفرزه قيام حكومة الوحدة الفلسطينية مِن مناخ سياسي أبعد شبح الاقتتال الداخلي الذي راهنت عليه؟!!! هل سيكون ردها بضربة قاسية بها قدر من الشمول في غزة؟!!! على ضوء كل المؤشرات، ناهيك عن دروس التاريخ، فإننا نعتقد، ونرجح أنهم يتربصون بغزة.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019