"أمريكا ترسل ولا تستقبل"../علي جرادات

كانت مفاوضات كامب ديفيد 2000 بمثابة ورقة عباد الشمس الكاشفة، بَانَ فيها أسود خيط الرؤية الإسرائيلية مِن أبيضها تجاه قضايا "الوضع النهائي" مع الفلسطينيين، فقد أظهرت نتائجها أن سائد السياسة الإسرائيلية، وبرغم مشاركته في مؤتمر مدريد 1991، وتوقيعه لاتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) عام 1993، كان (ونعتقد أنه ما زال) دون الاستعداد للإقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصير مستقل وسيادي على الأرض، وأن ما قامت به الحكومات الإسرائيلية مِن مفاوضات، وما وقعته مِن اتفاقات لا يعدو كونه شكلا مِن أشكال إدارة الصراع، أملته ظروف سياسية دولية وإقليمية ومحلية معينة، في مقدمتها محاولة تجميد هذا الصراع وتهدئته عبر مفاوضات عبثية لصالح الضربة الأمريكية لطاقة العراق والانتفاضة الأولى في حينه، وأن السياسة الإسرائيلية كانت قد أضمرت هَدَفَ جرجرة الطرف الفلسطيني لقبول تحويل الحل "الانتقالي" (الحكم الإداري الذاتي) لسكان الضفة والقطاع إلى حلِّ نهائي يطوي ملف اللاجئين والقدس والحدود والاستيطان والمياه، أي جوهر الصراع، إلى أجل غير مسمى على الأقل؛ أما الوعود الأمريكية-الإسرائيلية النظرية ب"رؤية" قيام الدولة الفلسطينية، فلم تكن سوى آلية أخرى لإجهاض قيامها الفعلي وضرب باقي مفردات البرنامج الوطني الفلسطيني.

وقد لَعِبَت عوامل اختلال ميزان القوى الدولي، والدعم الأمريكي غير المشروط، وتهالك الموقف العربي الرسمي وارتهانه للشروط الأمريكية، دورا أساسيا في اطمئنان مركز القرار الإسرائيلي، وعدم خشيته مِن دخول معمعان المفاوضات، كما قاد هذا الاطمئنان إلى تمادي صناع القرار في تل أبيب وتطاولهم، درجة تَخَيُّل إمكانية إحراز توقيع فلسطيني على رؤيتهم التي تقول عمليا: أيها الفلسطينيون لا حقوق لكم في العودة وتقرير المصير المستقل والسيادي على الأرض، ونحن لسنا على استعداد لبحث هذه الحقوق مهما صغرت، بل للذين لم نستطع اقتلاعهم مِن الضفة والقطاع احتياجات، ونحن على استعداد لبحثها مهما عظمت. ومعلوم بالطبع ما بين الحقوق والاحتياجات مِن فوارق نوعية.

في أعقاب فشل تلك المحطة التفاوضية، وما أفضت إليه تلقائيا مِن عودة للاشتباك السياسي كما كان عليهِ قبل عقد مؤتمر مدريد وتوقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو)، وبعد رفض الرئيس الفلسطيني الراحل شروط الاستسلام، وبسبب ما قاد إليه ذلك مِن اشتباك ميداني واسع (الانتفاضة الثانية)، كان لا بد للخطاب الإسرائيلي، وبطبعةٍ شارونية هذه المرة، مِن البحث عن ذريعة لتبرير إدارة الظهر لعملية التفاوض، وتغطيةِ العودةِ الرسميةِ المعلنةِ لفرضِ الرؤية الإسرائيلية أحاديا على الأرض، علما أن ذلك لم يتوقف خلال سنوات التفاوض، بل تواصل على قدم وساق واقعيا، فكانت كذبة "لا يوجد شريك فلسطيني للتفاوض معه". لقد ساق شارون تلك الكذبة، وضَخَّمها بوصم النضال الفلسطيني زورا بـ"الإرهاب"، وسعى بمساعدة أمريكية ل"حَشْوِها" في الوعي المحلي الإسرائيلي والإقليمي والدولي وكأنها حقيقة؛ وتحْتَ عباءتها تمكنت السياسة الأمريكية- الإسرائيلية مِن عَزْلِ الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وقفزت عنه باعتباره "غير ذي صلة" وبصفته "عقبة" أمام استمرار العملية السياسية، وعبرها (الكذبة)، خاصة بعد متغير الحادي عشر مِن سبتمبر 2001، وما أفرزه مِن ظروف دولية وعواصف في المنطقة، أقدم شارون، وبتغطية أمريكية كاملة، على ما قام به مِن جرائم حرب، أعادت الاحتلال الواقعي للضفة الغربية التي زاد تمزيقها تمزيقا بالجدار الفاصل، إضافة إلى ما ألحقه مِن تدمير هائل في غزة التي انفصل عنها أحاديا وحولها إلى "سجن" لاحقا.

لقد أظهرت كذبة شارون "لا يوجد شريك فلسطيني" حقيقتين، تمثلت الأولى في أنه: حقا لا يوجد، ولا نعتقد أنه سيكون هناك "شريك فلسطيني"، يمكنه القبول بشروط رؤية سائد السياسة الإسرائيلية، ما دامت تُصر على رؤية الفلسطينيين كمجموعة سكانية لها احتياجات وليس لها حقوق، وتتعامل معهم كأقلية تعيش في كنف "دولة إسرائيل اليهودية" وعلى جزءٍ مِن "أرضها الكاملة".

أما الحقيقة الثانية التي استدعت تلك الكذبة، فتتمثل في: "عدم وجود شريك إسرائيلي" لديه الاستعداد للتعامل مع الفلسطينيين كشعب له حق في العودة وتقرير المصير المستقل والسيادي بنفسه على أرضه، ومِن حقه المشروع النضال لاستعادة هذه الحقوق الوطنية المغتصبة بقوة الحراب. بل أكثر مِن ذلك، فإن عروض سائد السياسة الإسرائيلية، هو عمليا ليس فقط أقل مما تعطيه قرارات الشرعية الدولية، بل وأقل حتى مما يمكن أن تقبله روسيا والصين وبعض الأطراف الأوروبية. وإلا لماذا طرحت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا (مثلا) مبادرة ضرورة عقد مؤتمر دولي لمعالجة الصراع؟!!! ألا يعكس ذلك ضيق هذه الدول مِن صلف الرؤية الإسرائيلية وعروضها السياسية، والدعم الأمريكي غير المحدود لهذه الرؤية وممارساتها على الأرض؟!!!

بلى، تلك هي الحقيقة تقول: "لا يوجد شريك إسرائيلي" لتسوية الصراع، وأن هذه الحقيقة هي ما أنجب كذبة "لا يوجد شريك فلسطيني". واليوم، وبعد اضطرار واشنطن وتل أبيب إلى العودة إلى إجراء اللقاءات، وربما البدء في عملية تفاوض جديدة لاحقا، وذلك بعد، وبفعل الانتقادات والمصاعب الحقيقية لسياستيهما في المنطقة بدءا مِن العراق وأفغانستان مرورا بالتحدي الإيراني وصولا إلى لبنان وفلسطين، نجد أن صناع القرار الأمريكي الإسرائيلي قد عادوا إلى ممارسة مضمون ذات الكذبة، وإن بشكل آخر يقول بعدم اكتمال شروط توفر "الشريك الفلسطيني"، وها هُمْ يدخلون مرحلة جديدة مِن مراحل الابتزاز للعامل الوطني الفلسطيني، ويسعون إلى تجنيد المواقف المترددة لبعض الأقطاب الدولية، وخاصة الأوروبي منها، وذلك في أعقاب، ورداً على اتفاق مكة بين حركتي "فتح" و"حماس" برعاية سعودية. هنا تتقافز أسئلة: كيف سيتصرف النظام العربي الرسمي مع تجديد الكذبة الأمريكية الإسرائيلية؟!!! هل سيشرب هذا النظام ولو قليلا مِن "حليب السباع"، ويقول: هذا تجديد لكذبة تغطي حقيقة "عدم وجود شريك إسرائيلي"؟!!! أم ستعود "حليمة لعادتها القديمة"، وتقول: لا يوجد أمام الأخوة الفلسطينيين إلا التعامل الكامل مع الإرادة الدولية (الأمريكية) واشتراطاتها؟!!!

هنا مربط الفرس فيما يجري مِن شدٍ للحبال هذه الأيام بين الموقف الوطني الفلسطيني مِن جهة وموقف السياسة الأمريكية الإسرائيلية مِن جهة ثانية، أي إن مقدارا كبيرا مِن نتائج ما يجري مِن اشتباك سياسي بين كذبة "عدم اكتمال وجود شريك فلسطيني"، وبين حقيقة "عدم وجود شريك إسرائيلي"، يتوقف، وبصورة أساسية على موقف النظام العربي الرسمي، الذي يملك الكثير مِن أوراق القوة لإسناد الموقف الوطني الفلسطيني، خاصة في هذه المرحلة، فمصاعب السياسة الأمريكية-الإسرائيلية في المنطقة بادية لا لبس فيها، وجروحها راعفة تترى بجلاء، والضغط على شرايينها مثمر بلا ريب، وعودة الاهتمام الأمريكي بملف الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية تحديدا، لم يأت مِن باب الكرم، أو مِن قبيل التذكُّر بعد غفلة، بل يأتي في إطار محاولة تجاوز هذه المصاعب واحتوائها، وفي سياق محاولة كسب موقف النظام العربي لصالح التهيئة لمغامرات عسكرية أخرى محتملة في المنطقة.

عليه، كان مِن المناسب تذكير مراكز صياغة الموقف والقرار العربي أن كذبة "لا يوجد شريك فلسطيني" أو "عدم اكتمال وجوده" كما يتم تسويقها هذه الأيام، هي عمليا الوليد الشرعي، والوجه الآخر لحقيقة "عدم وجود شريك إسرائيلي"، وأن تظهير هذه الحقيقة وإذابة كذبتها، مرهون إلى حد بعيد بممارسةِ ضغطٍ عربي رسمي على شريان مصاعب السياسة الأمريكية في المنطقة، مصاعب أفرزها إخفاء الحقيقة بالكذب، والاستعاضة عن السياسي النهائي بالأمني الانتقالي والجزئي مِن الحلول. هناك فرصة لإسناد العامل الوطني الفلسطيني على يد حاضنه القومي بالضغط على واشنطن لا بالتوسل إليها، فأمريكا (كما يقول علي الأمين المزروعي في كتابه قوة الثقافة في السياسة الدولية) "ترسل ولا تستقبل، فهي تحاول أن تُؤمْرِكْ الإنسانية، وترفض أن تَتَأنْسَنْ ولو جزئيا".

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019