"الهزيمة والايديولوجية المهزومة"../ عوض عبد الفتاح

يلاحظ بصورة دائمة أنه عدا المختصين والباحثين والمفكرين العرب، لا يزال عموم الناس وبصورة خاصة الجامعيون والمتعلمون، يكررون يومياً في ظل الإخفاقات العربية المتتالية وتعثر النهوض المجتمعي، الأسباب السطحية لهذه الإخفاقات.
وحين يتحدث هؤلاء عن أشكال التخلف الإجتماعي الذي نعيشه والذي ينعكس في العمل السياسي، وفي التعليم، والسلوك اليومي وفي إدارة الدولة، يظل العنصر التاريخي غائباً عن التحليل. باعتبار أن بنية المجتمع القائمة تعود إلى تراكم قرون من إغلاق باب الإجتهاد ومن الجمود الفكري والثقافي والذي حال دون مواصلة أو استئناف التطور العلمي والثقافي والفكري الذي شهدته عصور الإزدهار في الدولة العربية الأولى والإسلامية لاحقاً. فلم يعد يجوز التعامل مع إخفاقات العرب باعتبارها حصلت فقط بسبب العدو الخارجي أو لأسباب آنية. فكل إخفاق أو نكبة أو هزيمة لها أسبابها الداخلية وجذورها التراكمية التاريخية. على سبيل المثال فإن نكبة بغداد عام 1258، التي غزاها المغول ودمرها ودمر مكتباتها، لم تكن بنت ساعتها. لم يأت المغول إلى بغداد إلا بعد أن رصدوا مسار الإنحطاط الذي كانت تمرّ به الدولة الإسلامية على مدار قرنين أو أكثر.

ولا يمكن فهم إنهيار الدولة العثمانية التي تسلمت مسؤولية إدارة "دار الإسلام" بما فيها المنطقة العربية، لأن الشريف حسين والأعيان العرب في بلاد الشام الذين كانوا يطمحون لإقامة كيان عربي مستقل، تعاونوا مع الإنجليز.

رغم الإنتصارات العسكرية والفتوحات التي حققتها الدولة العثمانية في أوائل عهدها ودورها في عرقلة الأطماع الإستعمارية الغربية في المنطقة العربية لمدة طويلة، إلا أنها أخفقت في مواكبة التطور والحداثة أسوة بأوروبا التي جاورتها لقرون. وهي تتحمل المسؤولية الأساسية عن تخلف وتأخر المنطقة العربية وبالتالي وقوعها تحت الهيمنة الإستعمارية.

ومعظم مشاريع التحديث والتطوير التي طرحها العرب وبعض العثمانيين منذ أواخر القرن الثامن عشر وعلى مدار القرن التاسع عشر كانت تواجه بقمع شديد. لقد انتهت محاولات الشيخ النهضوي عبد الرحمن الكواكبي بالقتل بالسم وطالت المشانق الكثيرين غيره.

السؤال الذي يطرح هو كيف يمكن تعميم هذه المقاربات العلمية والحديثة على عموم المتعلمين والخريجين وعلى غالبية النشطاء في الأحزاب السياسية والمنخرطين في عملية التغيير المجتمعي والنضال السياسي. وكيف يمكن تشجيعهم على القراءة التاريخية السليمة المدفوعة بالرغبة بالإصلاح والتطور لتكون هذه القراءة عوناً وسنداً في السلوك القيادي.

مقاربات مختلفة في فهم النكبة ومستلزمات النهوض:

إنشغل عدد من المفكرين والمثقفين العرب بعد كل هزيمة في البحث عن أسبابها ومقدماتها. بعضهم واصل تناول الهزائم من منظار عسكري-سياسي وهم الأكثرية، والبعض تناول الهزيمة والتأخر العربي من منظار تاريخي وحضاري إضافة إلى العسكري والسياسي. وهناك من يقول إن التحليل الأول كرس السطحية والجمود في التعامل مع العوامل الكامنة وراء المنعطفات التاريخية. والنخب القيادية (في الدول والأحزاب) التي أخذت بالتحليل الأول صبّت جهدها على تحديث الجيش وبعض مؤسسات الدولة في حين بقي المجتمع ومستلزمات النهوض به مادياً وثقافياً واجتماعياً بعيداً عن الإصلاحات.

ويقول أصحاب التحليل الثاني، إن الهزائم العربية كانت حتمية لأن العرب واجهوا عدواً منظماً تنظيماً حديثاً (الحركة الصهيونية) بمجتمع متخلف هو المجتمع الفلسطيني على كل المستويات. فالمثقف العربي القومي، قسطنطين زريق، ارجع أسباب النكبة، في كتابه "معنى النكبة"، إلى التركيبة الإجتماعية للمجتمع العربي ورفض تفسيرها عسكرياً وسياسياً فقط.

وحدّد مستلزمات النهوض بإقامة كيان قومي متحد، وإدخال الآلة الحديثة، وفصل الدولة عن الدين، وتدريب العقل، وتغيير القواعد الأيدلوجية التقليدية للمجتمع، وإتباع أسس التنظيم الحديث. هذا الإجتهاد صدر عام 1949. ويعتبر البعض زريق الاب الروحي لحركة القوميين العرب التي اعتنقت فكرة المشروع القومي العربي كإطار لتحديث الأمة والنهوض بها وهزيمة الصهيونية والإستعمار الذي جزّأ الوطن العربي وساهم في منع تحديثه.

ويأتي تحليل المثقف السوري صادق جلال العظمة، "النقد الذاتي بعد الهزيمة" 1967 ضمن هذا الإتجاه والذي يتناول الثقافة العربية السائدة – التقليدية والغيبيّة التي تعيد كل مصيبة أو تأخر إلى عوامل خارجية.

أما ياسين الحافظ، وهو أيضاً مفكر سوري نجح في التخلص من هيمنة الماركسية السوفييتية ومن عضويته في الحزب الشيوعي السوري وقارب النكبة الفلسطينية مقاربة اجتماعية-ثقافية-علمية. ففي كتابه الصادر عام 1978 "الهزيمة والأيدلوجية المهزومة" يطرح السؤال التالي:

"عندما تواجه كلاً من وعد بلفور ودولة إسرائيل بنظرة تاريخية، يتبدى لنا منذ الوهلة الأولى، أن حجم الأول حصاة أما حجم الثانية فجبل. هذا الإنتقال من موطن إلى دولة، اي الإنتقال من حصاة إلى جبل هل كان حتمياً؟ أما كان ممكناً لو أن عمارة المجتمع العربي أقل فواتاً، أن يبقى الوطن موطناً فلا يتحول إلى دولة؟ بل أما كان ممكناً للعرب أن يلغوا، بنضالهم خلال فترة الإنتداب، هذا الوعد ويحيلونه إلى قصاصة ورق؟ وبعبارة صريحة: أليس التأخر العربي هو الذي سهّل قيام إسرائيل أكثر بكثير من الإنتداب البريطاني؟"..

ويشير الحافظ كما أشار البعض قبله، وكتب بعده الكثيرون، أن الإشكالية في الوعي العربي محلولة على أساس أن الإستعمار هو الذي أقام إسرائيل وأن الهزيمة محلولة على هذا النحو: الإستعمار مضافاً إليه تخاذل العرب تارة وخيانتهم تارة أخرى.

هكذا، يضيف، بقيت عمارة المجتمع العربي وأيدلوجيته وقيمه ونمط تفكيره بعيدة عن التشكيك والفحص والمراجعة.

ويقارن الحافظ بنية المجتمع الفلسطيني آنذاك، مع بنية المجتمع اليهودي الصهيوني (اليشوف) الذي ظل عددياً أقلية حتى تاريخ ارتكاب جرائم التطهير العرقي والتهجير.

اقتصادياً، واجهت الحركة الصهيونية اقتصاداً شبه طبيعي ذا تقنيات متأخرة وعلاقات إنتاج إقطاعية شرقية، اي أن الأراضي كانت في حيازة إقطاعيين غائبين، الأمر الذي سهّل انتقال أرض عربية إلى اليهود.

إجتماعياً، كان نظام القرابة هو السائد... كانت مصلحة العائلة قبل مصلحة الوطن. أي كل فرد يمثل عائلته لا وطنه. إن المجتمع الفلسطيني كان مقسماً عشائرياً، ما قبل قومي. وعندما تكونت أطر سياسية حديثة (احزاب) "بقيت قشرة متموضعة فوق الإنقسامات العائلية والطائفية التي تميّز المجتمع العربي التقليدي".

لقد لعب النظام العشائري دوراً كبيراً في عرقلة الإندماج القومي العربي وفي عرقلة عملية تسييس المجتمع العربي وانصهار جميع أفراده في جماعة قومية يجمعها التاريخ واللغة والمصير المشترك.

ويقول الحافظ "إن القومية بالنسبة لجماعة (تقليدية) كهذه لا تعني علاقة مجتمعية-سياسية بل مجرد موقف تمايزي إزاء جماعة أخرى. وهذا ما يجعلها عاجزة عن بناء " دولة عقلانية حديثة ". (أنظر كتاب عزمي بشارة – في المسألة العربية الذي يُسهب في تعرية هذه المسألة ويقدم مساهمة نوعية كبيرة في فهم الحالة العربية وفي تحديد مستلزمات النهوض). ولم يكن الريف الفلسطيني وحده الذي يشكل 70% من الوجود الديمغرافي آنذاك، متخلفاً وبعيداً عن العمل السياسي الحديث، بل أيضاً المدينة الفلسطينية كانت منقسمة عشائرياً أو عائلياً. والمنافسات العائلية التقليدية التي تمتد إلى أجيال خلت، خاصة بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي بقيت عنصراً مهيمناً على الحركة الوطنية الفلسطينية حتى في فترات المواجهة مع الحركة الصهيونية والإنتداب البريطاني.

ويقول الحافظ "إن مجتمعاً كهذا غير مُسيّس أو قبل سياسي لم يستطع أن يواجه الغزو الإستعماري البريطاني بمقاومة منظمة وحقيقية.

ففي اوائل العشرينات، ومع تصاعد النشاط الصهيوني وكرد فعل عليه يتولد شعور وطني فلسطيني-إسلامي ملتبس. شعور تضامن (وفزعة) ضد الغزو القادم من الخارج. أي ليس بدافع وجود تطلعات قومية واعية لأجل الإستقلال. لا يعني هذا أنه لم يكن مناضلون ومثقفون واعون ومدركون لهذا الواقع ولكنهم كانوا أقلية وتأثيرهم هامشياً.

إزاء ذلك: هل كان المشروع الصهيوني منذ البداية مشروعاً خيالياً غير واقعي!.. لقد كان قادة المشروع الصهيوني يدركون هذا الواقع المحلي ويعرفون واقع العلاقات الدولية آنذاك التي كانت لصالحهم. فبماذا اختلف المجتمع اليهودي الإستيطاني الذي كان قد بدأ يتشكل في أواخر الدولة العثمانية المحتضرة وأخذ يتصاعد بعد وعد بلفور وفرض الإنتداب البريطاني على فلسطين.

كان التجمع الإستيطاني الصهيوني (الييشوف) منظما على أسس حديثة وعصرية، فعلى الصعيد السياسي كان هناك برلمان منتخب وهيئة تنفيذية تلعب دور الحكومة. وعلى صعيد المدن كانت هناك نقابة الهستدروت تُنظم عمال المدن. وفي الريف كانت الكيبوتسات تؤطر وتعبئ العمال الزراعيين، إلى جانب ذلك كانت قوات الدفاع الصهيونية "الهاغاناه" القوة العسكرية التي خاضت الحرب ضد العرب. كان الرجال والنساء مجندين في المشروع الصهيوني ومدربين على الحرب.

لم يكن اليشوف حزباً واحداً بل كان مقسماً إلى أحزاب متنافسة وشهد خصومات داخلية وصراعات سياسية لكنه بقي موحداً إزاء الخارج لأنه مجتمع مسيّس وحديث ويملك المؤسسات التي تستطيع أن تصون الوحدة والشراكة.

أما المجتمع الفلسطيني كان عبارة عن جماعة غير سياسية يضطر القسم الأكثر وعياً والأكثر نفوذاً فيها، اي القيادات التقليدية، تحت ضغط تهديد خارجي على دخول ميدان السياسة. وإلى هذا الميدان حملت هذه الطبقة قيمها وأنماط سلوكها وطريقة تفكيرها ومصالحها. لذلك فإن الأطر السياسية أي الأحزاب التي قامت آنذاك لم تستطع أن تسيس أو تؤطر الشعب تسييساً حديثاً. وعدا حزب الإستقلال الذي كان حزباً شبه حديث، والذي جرى تهميشه، كانت الأحزاب إمتداداً للإنقسامات العشائرية. كما لم يكن لدى المجتمع الفلسطيني جيش حديث أو قوة عسكرية منظمة ومدربة شبيهة بالهاجناه.

هكذا فإن النكبة لم تقع عام 1948 بل أن فلسطين كانت تسقط كل يوم ومنذ أن تكونت عناصر الدولة الصهيونية في العشرينات ومنذ أن عرفت قيادة اليشوف كيف توطد علاقاتها مع القوى الإستعمارية البريطانية أو الأمريكية لاحقاً.

هل يعني انه لا يمكن تحقيق إنتصار بدون تغيير ثقافي – مجتمعي؟ كلا هذا لا يعني ان العرب والفلسطينيين لا يستطيعون تحقيق إنتصار على الاحتلال طالما بقي الواقع المجتمعي العربي على حاله. لقد استطاعت شعوب وحركات تحرر أن تدحر الوجود الاستعماري على اراضيها وتحقق استقلالها دون ان تمر بُنى مجتمعاتها بتحول جذري – اقتصادي وثقافي. وهناك امثلة كثيرة من الماضي والحاضر. الشعب العربي الجزائري وقواه التحررية حرّرت الوطن من الاستعمار الفرنسي عام 1963. والجيش المصري خاض معركة ناجحة وحقق انتصاراً نوعياً على الجيش الاسرائيلي عام 1973 وعبر اكبر عائق مائي، قناة السويس، وخط برليف الحصين. حزب الله، وهو حزب وليس دولة حقق انتصاراً تاريخياً على الجيش الاسرائيلي. ودروس الانتصار الاخير تصلح لان تكون دروساً ملهمة لعموم الطامحين الى التحرر والاستقلال.

واضح انه إذا ما توفر الحد الادنى من الجدية والمسؤولية وبعد النظر لدى قادة حركات التحرر وقادة الدول العربية الوطنية، واتقان العمل الجماعي يستطيعون ان يحققوا انجازات وانتصارات. ولكن غياب التعاون والتكامل بين هذه التجارب العربية وغياب الرؤية العربية الاستراتيجية الموحدة، تبقي هذه الانتصارات والانجازات محطات معزولة في بحر الاخفاقات وظلام الهزائم.

الامر الاهم، هو ان تحقيق نصر عسكري شيء وهو ممكن في فترة قصيرة، ولكن تحقيق نهوض مجتمعي شامل ومؤسسات سياسية ودستورية حديثة تقوم على الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية لا يحصل بضربة واحدة. انه مسار طويل لا بّد للأمة من ان تسير به لتصبح محصنة في وجه شهوات الخارج لاستعمارنا والسيطرة علينا.