23 يوليو: تكامل المقاومات/ عوض عبد الفتاح*

لم يتعرض زعيم عربي في القرن العشرين لعداء وتآمر إسرائيل والغرب مثلما تعرض قائد ثورة 23 يوليو 1952، جمال عبد الناصر. فقد سعى هذا التحالف الإستعماري بشتى الأساليب من أجل محاصرة أهم تجربة وحدوية تحديثية عربية في القرن العشرين، وذلك فور تكشف ملامح هذا المشروع العربي القومي الهادف إلى تحقيق حق تقرير المصير للأمة العربية وتخليصها من الهيمنة الخارجية والتأخر الحضاري.

بطبيعة الحال تعرض هذا الزعيم ومشروع الثورة إلى نقد وهجوم أوساط سياسية وإجتماعية من داخل مصر وخارج مصر بدوافع دينية أيدلوجية (أصولية) أو شيوعية أصولية، إما لحساب فكرة الصراع الطبقي والأممية الشيوعية، أو لحساب فكرة الخلافة الإسلامية في عموم العالم الإسلامي. لكن هذا لا ينفي أنه من داخل المعين الفكري أو الحضاري الذي تنهل منه هذه الأصوليات كان هناك ولا زال من دعم عبد الناصر وثورته دون أن يغفل النقد لكثير من ممارسات الحكم الناصري. ما معناه أن هناك ماركسيين وهناك إسلاميين ناصروا فكرة الوحدة العربية. وقد ساهمت هذه الممارسات، مثل التأخر في إعادة الحياة الديمقراطية، وتطوير فكرة الحكم السليم والمراقبة وغيرها، في تسهيل حصول الهزيمة أمام العدوان الإسرائيلي – الأمريكي عام 67 والذي وجه ضربة عنيفة للمشروع العربي الوحدوي. ولكن ما ينبغي التأكيد عليه والذي أصبح يلمسه المواطن العربي هو أن هذه الهزيمة أخفقت في وأد روح المقاومة، فبعد أشهر فقط، بدأ عبد الناصر بحرب الإستنزاف على طول قناة السويس، والتحضير لحرب 73 التي انتهت بتحقيق ملحمة العبور لولا السادات الذي أجهض ذلك كله. هذا يدُلّ على أن نظام عبد الناصر لم يستسلم لقوة الردع الإسرائيلي ولم يخش ردها. وما نراه اليوم في عدد من ساحات الوطن العربي الهامة، من مقاومة وممانعة، كفلسطين والعراق ولبنان وسوريا تؤكد ما قاله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، في حفل استقبال عميد الأسرى اللبنانيين، سمير القنطار.

ما نودّ التوقّف عنده في هذا السياق هو ما أشار إليه قائد المقاومة اللبنانية، أي تواصل هوية المقاومة وتشابك تجاربها وتكاملها بغض النظر عمن قادها في ذلك الظرف التاريخي، ولا يجوز تبخيس أية تجربة لأن قيادتها الفكرية لا تنسجم مع هوية المنتقدين، ويمكن القول أن الخلاف بين التيارات الفكرية في الساحة العربية، ومنذ قبل سقوط السلطنة العثمانية، كانت حول أية هوية وحدوية تقاوم الإستبداد والتخلف والإستعمار، بوحدوية إسلامية أم بوحدوية قومية، ولم تكن صراعاً بين الدين والقومية كما تعرضها أوساط حركية إسلامية. يعترف، ويحترم، قائد المقاومة الإسلامية في لبنان تجارب القوميين والشيوعيين (خاصة اللبنانيين الذين رفضوا قرار تقسيم فلسطين، وتعاملوا بإيجابية مع الفكرة القومية) الذين كانوا السباقين إلى مقاومة الإحتلال الإسرائيلي بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982. كما يعترف ويجُلّ تجربة الثورة الفلسطينية في مقاومة إسرائيل. ولكن لا شك أن نصر الله وقيادة حزب الله تفوقت على هؤلاء جميعاً في التنظيم والإداء والإدارة، وعرفت كيف تستفيد من إيجابيات وأخطاء تجارب المقاومة السابقة.

والمستهجن أنه لا تزال بعض الأوساط تتلذذ في التعرض لقائد ثورة مصر، وتعاديه وتعادي عروبته وتتعامل مع أخطائه من باب أيدلوجي متزمت متجاهلة أو جاهلة للظرف التاريخي الذي عاشته مصر وعموم دول العالم العربي في ذلك الوقت. هذا العداء يصل لدى البعض إلى حالة نفسية مرضية. بل إنّ من هذه القلة من لا يروق له إظهار التقدير لحسن نصر الله بسبب مذهبه، بل أكثر من ذلك. فهؤلاء الذين يعادون عبد الناصر – عداءً مرضياً يعبدون السلطنة العثمانية، التي ارتكبت كل أشكال الإستبداد والفساد والقمع ضد العرب خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي التي بسبب فسادها سهلت على الإستعمار الأجنبي السيطرة على بلادنا والذي لا نزال نعاني من هيمنته حتى الآن.

لماذا نحن نقدّر عبد الناصر رغم أخطائه. لأنه أحبّ بلده وتفتح وعيه وهو في ريعان الشباب فتظاهر وجُرِح. ونحبّه لأنه آلمه إذلال شعبه المصري. ولأنه حارب في فلسطين. ولأنه بدل أن يظل ضابطاً خانعاً تحت حكم الملك فاروق، خاطر مرة أخرى بحياته وقاد الإنقلاب. ولأنه حارب الأقطاع وانتصر للفلاح المصري البسيط. ولأنه خاض تجربة توحيد العرب واستمد ذلك من تاريخ الأمة العربية ومجد الإسلام، وناصر الشعب اليمني والشعب الجزائري في حرب التحرير. ولأنه حرر قناة السويس وصمد أمام العدوان الثلاثي، ولأنه عاش حياة متواضعة، في بيت متواضع وليس في قصور سلاطين.

ونقدره أيضاً، لسبب لا يقل أهمية عما سبق، وهو أمر نادر بين زعماء العالم الثالث. هي استقالته بعد هزيمة 67، لاعترافه بالمسؤولية الكاملة، عن هذه الهزيمة، وإشرافه شخصياً وبصورة مباشرة، بعد عدوله عن الإستقالة تحت ضغط مطالبة الجماهير المصرية، على إعداد الجيش إعداداً مهنياً، وإصلاح أجهزة الحكم وتطوير حياة ديمقراطية.إن العديد من الدارسين يرون أن انتصار حرب 73 كان إنجازًا لعبد الناصر وليس للسادات، وأنه لو قدّرت له الحياة لكان مسار الدولة المصرية والعالم العربي مختلفاً. وبما أن "لو" غير ممكنة، فإن الأمة تنجب أبطالاً وطلائع وتجارب جديدة. هذا ما نراه مجدداً – في العقد الأخير. ولكن ما ينتظر التيار القومي الوحدوي الحداثي – هو تطوير الفكرة القومية الجامعة لبعدها الحضاري الإسلامي والحداثي والديمقراطي والأهم تطوير آليات تنفيذ هذا المشروع وبناء القوة التنظيمية الحاملة له.


* الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي