لماذا لا نحتج على "قانون القومية"؟

لماذا لا نحتج على "قانون القومية"؟

بلال ضاهر

صحيح القول إن سن "قانون القومية" ليس نهاية العالم، وأن الفلسطينيين باقون في فلسطين، وأن هذا القانون "الدستوري" جاء لترسيخ السياسات والممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين كجماعة قومية. لكن قد يعتقد البعض، خطأ، أن تأثير هذا القانون لن يكون مباشرا على حياة الفلسطينيين. تأثير هذا القانون يتمثل بعدة نواحي، هي شرايين حياة الفلسطيني. ويكفي أن ننظر حولنا لنتيقن من ذلك.

يتبين من ردود الفعل والأصداء في الشارع الفلسطيني عموما، وفي الشارع العربي في إسرائيل خصوصا، أنه لا يوجد شعور بالخطر الذي يشكله سن "قانون القومية". صحيح أنه تعالى التنديد والاستنكار للقانون، عبر تصريحات نشطاء وقيادات أحزاب وهيئات، وعبر الناس عن غضبهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي وخاصة "فيسبوك". ويبدو أنه إذا استمر الحال كذلك، فإن الجميع سينسى الموضوع مع مرور الوقت، وهذا ما راهنت وتراهن عليه إسرائيل في تعاملها مع العرب، وفي هذه الأثناء تنتقل إلى فرض وقائع، ستكون على الأرجح معتمدة على "قانون القومية".

فإسرائيل وضعت وتواصل وضع العراقيل من أجل عدم قيام دولة فلسطينية. لكن، الآن، بموجب القانون الإسرائيلي، "قانون القومية"، لا يحق لأحد غير "الشعب اليهودي" أن يقيم دولة له في فلسطين التاريخية، لأن القانون ينص على أن حق تقرير المصير حصري لـ"الشعب اليهودي" في موطنه "أرض إسرائيل". هذا يعني أن إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين من أجل التوصل إلى حل الدولتين هي خطوة يمكن اعتبارها "غير قانونية".

كذلك وضعت ونفذت إسرائيل، منذ عقود، مخططات تهويد الجليل والنقب، وصادرت الأراضي من العرب كي تبني المدن والبلدات ليستوطن فيها اليهود. يمكن للعربي أن يسكن في المدن ولكن ليس في "البلدات الجماهيرية". وإذا أصر عربي على السكن في هذه البلدات، كان بإمكانه التوجه إلى المحكمة العليا. لكن حتى هذه الإمكانية لم تعد واردة الآن، لأن القانون الجديد ينص على أن "الدولة ترى بتطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وستعمل من أجل تشجيعه ودفعه وترسيخه". ويعني هذا أن ما يُبنى لليهود فقط سيكون لليهود فقط، ولا حق للعرب فيه، لأن سكن العرب هناك بات غير قانوني. وبناء على هذا القانون يمكن منع العرب من السكن في المدن، أو على الأقل منع إنشاء مدرسة عربية في مدينة مثل نتسيرت عيليت أو كرميئيل. وإذا أراد العرب بناء مسجد في نتسيرت عيليت أو كنيسة في كرميئيل؟ وهذا يعني أن التضييق على العرب سيكون وفق القانون.

كانت اللغة العربية لغة رسمية ثانية في إسرائيل. لكن الآن، بموجب القانون الإسرائيلي، "قانون القومية"، لم تعد لغة رسمية. ويعني هذا أن الدولة ومؤسساتها ودوائرها القطرية والمحلية، وكذلك السلطات الحلية ومؤسساتها، ليست ملزمة باستخدام هذه اللغة في منشوراتها ولافتاتها، التي تحمل أسماء مواقع عربية. وتغييب اللغة يعني تغييب الوجود العربي من المشهد العام في إسرائيل. ربما يضاف إلى اللغة العبرية، الرسمية، اللغة الانجليزية خدمة للسياح، لكن ليس إلزاميا استخدام اللغة العربية، وبذلك تتراجع مكانة اللغة العربية، خاصة أن هذا سيتم بتشجيع مخططات ونوايا سيئة إسرائيلية.

رغم هذه المخاطر، إلا أن صوت الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل لم يُسمع في الحيز العام الإسرائيلي. الشارع العربي بقي من دون ضوضاء سياسية. لا حراك سياسيا في هذا الشارع. إسرائيل، شعبا وحكومة وإعلاما، لم تسمع باحتجاج العرب على سن "قانون القومية". سمعت احتجاج العرب الدروز. لأن العرب لم يحتجوا.

لم يفعل العرب شيئا حيال "قانون القومية" باستثناء اجتماع للجنة المتابعة، واجتماع آخر لنواب القائمة المشتركة كرر بعض قرارات لجنة المتابعة. وليس هناك احتجاجا متوقعا لعرب الداخل باستثناء المظاهرة في تل أبيب، مساء السبت بعد المقبل. ليس واضحا كيف سيكون حجمها وعدد المشاركين فيها، وكيف وعلى من ستؤثر، وهل سيكون نصف المشاركين فيها من اليهود "التقدميين" و"اليساريين" كي يملوا شعاراتها وهتافاتها... وماذا بعد؟

ما هو واضح، وما تسرب أيضا، من اجتماعي المتابعة والمشتركة هو أنه توجد خلافات بين مركباتهما. والخلاف ليس مأساة، بل أن تعدد الآراء والأفكار يدل على جسم سليم ومعافى. لكن عندما تبقى هذه خلافات مزمنة لا يمكن التوصل معها إلى توافق وتسوية، أي سقف وطني جامع، في المرحلة الحالية، يصبح هذا الجسم معلولا. مريضا.

الشرذمة ليست حالة يمكن العيش معها. والمتابعة تشكلت كي تكون سقفا وطنيا وحدويا أعلى للجماهير العربية، واتخاذ القرارات من أجل التصدي لاستهداف السلطات الإسرائيلية المتواصل لهذه الجماهير. المتابعة ليست منتدى قادة ونشطاء أحزاب وقوى سياسية. وإنما هي سقف نضالي وحدوي تنضوي الأحزاب تحته. وهذا لا يلغي دور كل واحد من هذه الأحزاب والحركات والقوى، التي عليها الاعتماد في تجنيد الجماهير. فالجانب الأكبر من النضال ضد "قانون القومية" هو نضال جماهيري. والجماهير لا تتجند من تلقاء نفسها، وإنما الأحزاب والحركات هي التي تجندها. وإلا، ما هي شرعية الأحزاب العاجزة عن تجنيد الجماهير؟ وليس بإمكان قيادي في حركة لا تشارك في الكنيست أن يقول إن النضال ضد "قانون القومية" ليس شأنه، وذلك لسبب بسيط أن النضال ليس بالكنيست، ولا ينبغي أن يكون فيها، وإنما في الشارع، الذي هو ساحة جميع الأحزاب والحركات.

خطورة "قانون القومية" في أنه يؤثر على الأجيال القادمة، أولاد وأحفاد الأجيال الحالية. ولهذا السبب بالذات يكتسب النضال ضد هذا القانون أهمية قصوى، بالتوازي مع قناعة عميقة وراسخة بانتصار هذا النضال. من دون قناعة كهذه، انتصار النضال الجماهيري على إسرائيل، لا حاجة للنضال.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018