البراءة في عاصفة الحقد...

البراءة في عاصفة الحقد...

سهيل كيوان

لو كانت الحركة الصهيونية غبيّة، لما كانت انتصرت علينا وحققت ما حققته حتى الآن، وسط بحرٍ متلاطم من العرب والمسلمين.

منذ ظهرت عهد التميمي في صفعتها الشهيرة لضابط من جيش الاحتلال وتصوير اللقطة ونشرها، توقّعتُ وكثيرون مثلي، نشوء إشكالية حول هذا الموقف، فالضابط كان خبيثا وذكيّا، لم يكن رد فعله بشعًا كما يفعل عادة الجنود وحرس الحدود والمستوطنون في هذه الحالات.

بعد هذا جرت محاكمة الطفلة عهد التميمي، فأثارت جدلا وحكمت بالسجن ثم أطلق سراحُها بعد ثمانية أشهر، ثم صرّحت بما صرحت به أمام وسائل الإعلام، عن كيفية قضاء وقتها في السجن، وهو صحيح بلا شك.

نعم فالمعتقلات يرقصن ويقمن الحفلات ويغنين ويتعلمن، هذا واقع.

كلنا نعرف أن سجناء فلسطينيين كثيرين حصلوا على الشهادات والألقاب الجامعية من داخل السجون التي قضى فيها عشرات الآلاف من الفلسطينيين زهرة سنين أعمارهم، هذه قوانين ومعايير يجري تطبيقها في كثير من دول العالم، وهي ليست منّة من الاحتلال، السؤال الذي يجب أن يطرح هو: ما ذنب هؤلاء الأطفال أن يتعلموا ويرقصوا ويغنوا في داخل السجون وليس في مدارسهم وفي أفراح أقربائهم وبين ذويهم؟!

قيامة البعض، وراح يصب غضبه وشكوكه على الطفلة عهد التميمي، كأنها هي المذنبة باستغلال الاحتلال لطفولتها وبراءتها دعائيًا لصالحه، وأثيرت تساؤلات، لماذا حظيت هي بالذات بهذا الإهتمام الإعلامي! وماذا لو كانت سمراء أو محجبة وإلخ!.

عهد فتاة قاصر بريئة، والذي يجب أن يوجه له الاتهام أولا هو الاحتلال الذي شوّه طفولتها وطفولة الكثيرين مثلها، الاحتلال الذي اغتال براءة عهد وغيرها من أطفال فلسطين، ثم استغل بعضهم وحوّله إلى مادة إعلانية تخدم سياسته الإجرامية.

إلى جانب هذا فإن سهام الغضب، يجب أن توجّه إلى أنظمة الذل والعار العربية، التي لا تصمد أمام أي مقارنة مع المعايير الدولية في معاملة السجناء، ولا حتى مع دولة الاحتلال، فالسجون في أنظمة العرب جحيم، من يدخلها مفقود ومن يخرج منها مولود، فهي لا تعبأ بالقوانين الدولية وحقوق السجناء وخصوصًا بما يخص الأطفال، عندما يتعلق الأمر بالسياسة.

رغم جرائم الاحتلال الصهيوني الصارخة، فهو ما زال قادرًا على تقديم نفسه أفضل بدرجات من أنظمة مبنية على القمع والاغتصاب، والمقصود بالاغتصاب هو اغتصاب السلطة والسجناء المعارضين.

العربية بجرائمها بحق شعوبها قدّمت وما زالت تقدم خدمة كبيرة للحركة الصهيونية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، بحيث تبدو دولة الاحتلال رحيمة وأقل وحشية بكثير مقارنة بها.

لقد قتل الاحتلال عشرات الأطفال الفلسطينيين، ومرّ في معتقلاته الآلاف منهم منذ قيام إسرائيل، ولن يتورّع عن القتل بحجج شتى معظمها كاذبة، مثل العثور على سكين أو أداة حادة، إضافة لاقتحامات البيوت في الليل، وإرهاب الأطفال وقتل قاصرين على الحواجز بحجج شتى، منها مثلا حيازة طالب لمسطرة خشبية حُدّد رأسها.

لقد بات الاحتلال مفضوحًا في جرائمه التي لا تحصى، ولهذا فهو يستغل بعض اللقطات ليظهر فيها رحمته وإنسانيته، وتبييض سمعته السوداء، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالطفولة ولهذا استثمر قضية عهد التميمي وصفعها للضابط.

أما أولئك الذين يهاجمون الفتاة التميمي، وكأنها مذنبة لقولها بأنها كانت تلعب وتلهو وتدرس في المعتقل وتتسلى بمشاهدة التلفزيون! فهذا هو المطلوب بالضبط بالنسبة لأجهزة الأمن الإسرائيلية، التشكيك والتقليل من شأن التضحيات، فالمناضل بنظر البعض لا يصح إلا أن يكون قتيلا أو معذّبًا أو مغتصبا في السجن، وإلا فهو مشكوك بأمره.

بالمناسبة هذه رسالة أيضا إلى والد التميمي، الذي يقال إنه من مؤيدي نظام بشار الأسد، أدعوه فقط أن يتخيل ابنته وزوجته وابنة أخيه في قبضة مخابرات النظام السوري أو المصري أو أي نظام عربي يختاره بعد صفع ضابط تابع للنظام، لا سمح الله وألف ألف لا سمح الله، أرجو أن تكون لديه فقط الشجاعة بأن يتخيّل.

أنا مرتاح جدا لأن الفتاة التميمي كانت ترقص وتلعب وتشاهد التلفزيون وتتعلم مع غيرها من أطفال فلسطين في المعتقل، حتى وإن جرى استغلالها دعائيا من قبل الاحتلال، فهذا أفضل بكثير مما تتعرض له نساء وفتيات ونساء ورجال العرب في سجون العرب.

نعم من حقها أن تتحدث بالضبط عن ظروف اعتقالها، وأن لا تكذب، وعلى الجميع أن يفكّر ويستنتج الحقيقة، وماذا يكمن وراء هذه العملية الدعائية، وأن يوجه سهامه إلى العنوان الصحيح.

مكان الفتاة التميمي ورفاقها الأطفال والفتية والفتيات، هو مقاعد الدراسة وليس المظاهرة ولا المعتقل ولا مواجهة الجنود، مكان أطفال فلسطين ومقعدي ورجال ونساء فلسطين هو الحرية وليس السّجون ولا الموت على الحواجز.

يستطيع الاحتلال البشع، أن يغطي على حقيقة وحشيته باستغلال طفلة للدعاية، فمن يُفرج عن من أحرق عائلة فلسطينية وقتل أسيرًا جريحًا ويقتل الناس لمجرد شبهة حيازتهم لسكين، ومن يغتصب وطنا كاملا بكل ما فيه، ويعتقل ويسجن عشرات الآلاف ويحرم الملايين من الحرية، من يحاصر شعبًا ويحرمه من أدنى حقوق الإنسان، من يصك قوانين التمييز العنصري ويهدم البيوت ويشرّد سكانها، لا تبيّض صحيفته دعاية وصورة إعلامية مهما كان ذكيا، ومن لا يرى هذه الحقائق فهو إما أعمى أو منافق كذّاب.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018