راهنية دولة كل مواطنيها

راهنية دولة كل مواطنيها

رامي منصور

أعاد تشريع "قانون القومية" السؤال حول جدوى استمرار تبني مشروع دولة كل مواطنيها، ومدى صلاحيته لمواجهة الصهيونية ومشروعها الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، المسمى دولة إسرائيل.

لكن هذا السؤال لا يميز بين الشكل والمضمون، والإجابة عليه غالبا ما تكون طوباوية أو نوستالجية، بأن الحل إما مشروع تحرر على غرار حركات التحرر من الاستعمار في القرن العشرين، وإما استنساخ تجربة جنوب أفريقيا في إسقاط نظام الفصل العنصري – الأبرتهايد لكن من دون إرثها الفكري.

وهذه الأجوبة في الحقيقة لا تحمل تصورات نظرية سياسية وقيمًا كونية مثل الحرية والمساواة كما تطرح حاليا بمعزل عن دولة المواطنين، ولا تصورا عمليا في كيفية إسقاط نظام الأبرتهايد في فلسطين. ومعظمها يستند إلى مصطلحي العدالة والتحرر، دون تفسير كيفيّة ترجمة هاتين القيمتين أو الهدفين إلى مشروع سياسي غير طوباوي أو نوستالجي.

في المقابل، تحمل فكرة دولة المواطنين إرثا تاريخيا أثبت عدالته النسبية في القرن العشرين، وأسس نظرية متينة، وهو ليس بحاجة لاختراع ترجمة عملية أو مشروع وبرنامج سياسي عملي مرافق لأنه هو المشروع. والأهم من ذلك، أن هذه الفكرة تترجم عمليا ونظريا قيمتي الحرية والمساواة كنقيض للصهيونية: الحرية في الليبرالية والمساواة في الديمقراطية، أي الليبرالية الديمقراطية، أو المواطنة المتساوية في دولة المواطنين كحالة نفي للصهيونية ودون أن ترسم مسبقاً حدود الدولة. لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية هي المساواة الحقيقية بين المواطنين، وذلك يعالج في إطار دستور الدولة ونظامها الاقتصادي – الاجتماعي.

وحدها دولة المواطنين كطرح (وهي ليست حدود سياسية جغرافية) تحمل ترجمة حقيقية لقيمتي الحرية (وللدقة هي حريات) والمساواة بشكل متين، بالإضافة إلى العدالة (سأظهر لاحقا علاقة العدالة بهاتين القيمتين فلسطينيا). وفي الوقت ذاته، هي طرح يواجه نظام الأبرتهايد والصهيونية في جوهرهما وينزع الشرعية عن امتيازات المستعمرين، بغض النظر عن شكل النظام السياسي الراهن أو الناتج عن إسقاط هذا النظام، أي شكل الحل السياسي، دولة أو دولتين، أو رسم حدود الوطن. إن طرح دولة المواطنين يعالج المضمون والجوهر ويبقي سؤال الشكل مفتوحا، دولة أو دولتين، لكن دون أن يُحول حل الدولة أو الدولتين إلى صنم، مع إعلائه شأن قيمتي الحرية والمساواة. وهذا هو المهم.

من شعارات مظاهرة السبت في تل أبيب ضد "قانون القومية"

قد ينتج عن طرح الدولة الواحدة أو الدولتين من دون فكرة دولة المواطنين نظام ظلامي، أي منبوذ دوليا، لأن الطرح وحده لا يحمل في جوهره قيما كونية مثل الحرية والمساواة ولا يوفر إجابة عملية له، وفي الوقت ذاته لا يحمل أي الطرحين أجوبة دستورية عن جوهر أو طبيعة النظام الناتج. أي أن الطرح يبقى في إطار الشكل وليس الجوهر، لأنه بالأساس ليس طرحا قيميا ديمقراطيا، بل إجابة شكلية على سؤال جوهري وهو نظام التمييز العنصري - الأبرتهايد. وهو يحاول تجاوز الجوهر (جوهر الصهيونية) من خلال حلول شكلية (تماما مثل مطلب المساواة الشكلية في إسرائيل اليهودية، دون تحويلها إلى مطلب يناقض الصهيونية).

وهذا معناه، ببساطة، كما ذكرت، أن طرح حل الدولتين قد ينتج دولتين ظلاميتين، وقد ينتج طرح حل الدولة الواحدة دولة ظلامية غير ديمقراطية حتى لو حمل شعار دولة ديمقراطية علمانية اشتراكية وإلخ، أو دولتين قوميتين ديمقراطيتين.

تجربة العالم الثالث في القرن العشرين وحتى يومنا هذا، أثبتت أن أي مشروع تحرر من الاستعمار جوهره ليس الحرية والمساواة، وبرنامجه السياسي لا يقف على هاتين القدمين، سيؤدي غالبا إلى نظم استبدادية عسكرية أو دينية أو طائفية. وما زال العالم العربي يواجه هذه الإشكالية حتى يومنا. لأنه تبيّن أن التحرر من الاستعمار لا يعني حق تقرير المصير بالضرورة، ولا ترجمة لإرادة الشعب الحرة في دساتير ديمقراطية.

لذا، فإنّ شكل الحل، دولة أو دولتين، تحدده الوقائع على الأرض والإرادة الشعبية، أي أنه لا يمكن فرض هذه الحلول من فوق على الناس. واختيار أيٍ من الحلول يكون وفق معيار الحرية والمساواة والعدالة.

لذلك، يجب نقل النقاش من الشكل إلى الجوهر. من شكل الحل إلى جوهره. وقد يبدو ذلك مفهوما ضمنيا لمن يحمل أحد الطرحين، الدولة أو الدولتين، لكنه في الحقيقة لا يملك برنامجا سياسيا يترجم عبره الحرية والمساواة في مشروعه السياسي، إلا اللجوء لطرح دولة المواطنين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن طرح دولة المواطنين هو الأنجع في الوقت الراهن وفي المدى المنظور لمواجهة الصهيونية في فلسطين. فكل مشاريع التحرير لم تنجح في طرح مشروع نضالي يواجه الصهيونية بفعالية، لا الكفاح المسلح ولا "الحياة مفاوضات".

لذلك، مشروع دولة المواطنين فيه مكنون نضالي يترجم عدالة القضية الفلسطينية إلى برنامج سياسي نضالي، ويعلو بعدالة هذه القضية إلى مصافي القيم الكونية. إذ إنّ الحرية والمساواة في فلسطين غير ممكنتين دون عدالة للفلسطينيين، والعدالة للفلسطينيين، ولو النسبية، تعني أولا حق العودة.

ليس هذا بالأمر البسيط، إذ تبيّن لنا أن طرح دولة المواطنين ليس مجرد تمرين نظري في السياسة أو مطالبة بالمساواة الشكلية في دولة اليهود؛ بل هو، أساسًا، برنامج سياسي يقف على ساقين متينين، الحرية والمساواة، أي قيمتين كونيتين كنقيض جوهري للصهيونية، ولا يمكن لأي كان أن يجادل فيهما. وفي المقابل، تحمل دولة المواطنين مخزونا نضاليا كبيرا يرافقه مشروع سياسي لا يمكن إلا أن يؤدي إلى إسقاط الصهيونية وتحقيق العدالة للفلسطينيين وأولها العودة. إذًا، مشروع دولة المواطنين في حالة فلسطين يقف على ثلاث قيم جوهرية: الحرية، المساواة، العدالة (العودة)، وجميعها قيم مناقضة للصهيونية و"ديمقراطية" إسرائيل.

كما تبيّن، يصبح الحل، دولة أو دولتين، أمرا شكليا غير جوهري، وهو ليس قيمة بحد ذاته، ويحل عادة بطرق دستورية من خلال استفتاءات شعبية. لأن تجربة العالم الثالث، كما ذكرت سابقا، أثبتت أن تحديد شكل الهدف النضالي دون تحديد جوهره هو وصفة مضمونة للاستبداد سواء كان الطائفي أو العسكري.

دولة المواطنين، هي القاسم المشترك لكل الفلسطينيين الذين يريدون العيش في وطن حر وعادل، سواء أولئك الذين في الأراضي المحتلة عام 1948 أو الضفة وغزة أو الشتات؛ وهو القادر على دمج النضال القومي والوطني ضد الصهيونية بقيم كونية غير هلامية، بل مترجمة إلى برنامج سياسي عملي، يعبر بالنهاية عن إرادة الشعب، لأن من دون الحرية والمساواة يصبح الحديث عن إرادة الشعب وحق تقرير المصير أمرا غير حقيقي.

في الداخل، تطرح دولة المواطنين بالتوازي مع الحكم الذاتي الثقافي القومي، حتى لا تتحول المطالبة بالحرية والمساواة إلى مطالبة اندماجية في دولة اليهود، أي مطلب بالأسرلة مثل المساواة بالميزانية العسكرية أو الأمنية. ثانيًا، هذا التلاصق بين الطرحين يعالج الإشكالية بالطرح الليبرالي الذي يحول الجماعة إلى أفراد، أي أنه يضمن الحقوق الجماعية والفردية ولا يضحي بواحدة على حساب الثانية.

لكن الأهم أن هذا الطرح يكاد يكون وحده القادر على جمع ثلاث قيم جوهرية وكونية، الحرية والمساواة والعدالة (العودة)، بشكل متناقض مع الصهيونية، ويجعل من العدالة للفلسطينيين قيمة كونية، ويترجم هذه القيم إلى مشروع سياسي عملي لإسقاط الصهيونية.

يتبع...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018