في حادثة جنين "أسرار" أخرى

في حادثة جنين "أسرار" أخرى

عوض عبد الفتاح

ليست جريمة إطلاق النار، يوم الثلاثاء الماضي، على شابين من قباطيا وإصابتهما من قبل طالبين فلسطينيين الداخل، فرعا مقطوعا عن سياق أشمل، وكذلك صدور بيان مجهول المصدر، من داخل منطقة جنين، يتوعد الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في جامعة جنين بالقصاص والقتل. ولن تجدي محاولة المسؤولين التخفيف من وقع الجريمة وطريقة الرد عليها، في فهم سياقها، وفي معالجة المشكلة.

حسنًا فعلت إدارة الجامعة عندما عممت بيانًا تُطمئن طلاب الداخل وتهدئ من روعهم، بعدما شعر كل واحد منهم بخطر على حياته. وحسنًا فعلت شخصيات من طيرة المثلث، البلدة التي جاء منها الطالبان اللذان ارتكبا جريمة الاعتداء على أخوة لهما، بحسب ما يجري تداوله، عندما أدانت فعلهما، وطالبت محاسبتهما حسب القانون.

 قبل ثلاث سنوات، وقفت أمام مجموعة كبيرة نسبيا من النشطاء الطلاب الفلسطينيين في جامعة جنين ممثلين بمجلس الطلبة في الجامعة، وبهيئة طلاب ٤٨، لأتحدث عن العلاقة الطبيعية والمطلوبة بين أبناء الشعب الفلسطيني من على جانبي الخط الأخضر، في أعقاب تطور شجار فردي، بين شخصين، إلى شجار جماعي أخذ طابعا محزنا بين "طلاب الضفة" و"طلاب الداخل – ٤٨".

وآنذاك شحنت الأجواء وكادت الغرائز أن تفلت، وأن تصبح الآراء المسبقة سيدة الموقف، غير أن العاقلين من الطرفين تمكنوا من احتواء الحدث ومنعه من التدحرج إلى ما هو أسوأ.
كان محور اللقاء، الذي تم، بعد الحادث مباشرة، وبالتنسيق مع مجلس الطلبة وإدارة الجامعة، مسيرة تطور الشعب الفلسطيني، وتطور هويته الجامعة، رغم التمزق الجغرافي، وكيفية نشوء الخصوصيات، بعد النكبة. كان، ولا يزال، ضروريا، تعريف الأجيال الفلسطينية الشابة بخلفيات نشوء هذه الخصوصيات، والدوافع الكامنة وراء تأثر الهوية، وتعريف الذات، أو أنماط سلوك اجتماعية معينة، قد تبدو غريبة وغير مستساغة، لأي من "الطرفين". وفِي حديث لاحق مع النشطاء ومع المسؤولين، أعربتُ عن رأيي، بأن واقع العلاقة بين الطلاب الفلسطينيين من على جانبي الخط الأخضر، وواجب تطويرها بصورة طبيعية، يحتاج إلى مبادرات حوارية وتربوية وتثقيفية، منهجية، ودائمة، وبمعزل عن حوادث الشجار. ويشعر المرء بالحزن أن يجري تبديد فرصة وجود آلاف الطلاب من فلسطينيي الـ٤٨، في الجامعة الأميركيّة في جنين وكل الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، على مقاعد الدراسة المشتركة مع أخوتهم من المناطق المحتلة عام ١٩٦٧، دون أن يجري استثمارها من أجل تقوية الهوية الوطنية الجامعة. ولا يحتاج المرء إلى الكثير من العناء ليلمس حالة الاغتراب المنتشرة بين الطلاب من على جانبي الخط الأخضر تجاه بعضهم، وتراجع الحس والاعتزاز بالهوية الوطنية. ولو اعتمدت مناهج تربوية وتثقيفية من هذا النوع، لما أدت الشجارات الفردية إلى نشوء حالة تعبئة وشحن على النمط القبلي، وتعميق حالة الاغتراب في صفوف الطلبة، الذين يفتقدون أصلا، هم وشعبهم، إلى حركة وطنية موحدة، وإلى مثال وهدف وطنيين جامعين يلتفون حولهما، ويستلهمون قيمه الجمعية التضامنية. 
أبناؤنا وبناتنا هؤلاء، فلذات أكبادنا، هم ضحايا واقعٍ لم يصنعوه. إذا من المسؤول؟ نختصر الكلام بـ: تهتك الحالة الفلسطينية الراهنة.
•    غياب المشروع الوطني وغياب المثال 
 عالج العديد من علماء الاجتماع الفلسطينيين، مسألة الهوية الفلسطينية، ومنهم من تناول تطور خصوصية هوية الـ٤٨، والأفكار المسبقة التي سادت بين التجمعات الفلسطينية. وقد بينت هذه الدراسات، وكذلك العلاقات المباشرة واليومية، انتشار هذه الأفكار. فقد اعتقد الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام ٦٧، وكذلك اللاجئون في الدول العربية، لفترة طويلة، أن غالبية فلسطينيي الـ٤٨، والذين سموا بتعبيرات الشارع "عرب إسرائيل"، تخلّوا عن انتمائهم الوطني، واندمجوا في إسرائيل. وحمل فلسطينيّو الـ٤٨ افكارا متعالية على اخوانهم في الضفة والقطاع، من خلال عقد مقارنات سطحية بين حياتهم المتأثرة بالحداثة الإسرائيلية، مع حياة وواقع أهل المناطق المحتلة عام ٦٧، الأقل تطورا. والحقيقة أن العديد من فلسطينيي الـ٤٨، يمارسون هذا التعالي الفارغ، تجاه المواطن العربي، عندما يزورن دولا عربية، كمصر أو الاْردن بشكل خاص. 
لا شك، أن أحداثًا كبرى، قام بها فلسطينيّو الـ٤٨، مثل يوم الأرض وهبّة القدس والأقصى، والتي أعقبتها اتصالات وتفاعل ثقافي، حدّت من نطاق انتشار هذه الأفكار المسبقة. بل حتى في فترة انتشارها، لم يحصل أن حدث شجار جماعي، أو حتى فردي، على خلفية الأصل الجغرافي. 
إن التلاقي القسري الذي ولّده احتلال واستعمار الصفة والقطاع عام ١٩٦٧، قرّب الفلسطينيين من على جانبي الخط الأخضر من بعضهم البعض، وتطورت علاقات نضالية، وأدبية، وثقافية، مع النخب تحديدا، وفِي أوساط آلاف الناشطين. وعزّزت المواجهات الشاملة، الكبرى، والصغيرة، الحس الجماعي، وشكّلت منظمة التحرير الفلسطينية، معينًا ينهل منه الفلسطينيّون، في كل مكان، معاني الانتماء والوحدة والشعور بالمسير المشترك. كل ذلك ساهم في منع عنف داخلي أو توتر خطير بين جماعات أو فصائل وحتى أفراد.
غير أن هذا الأمر تغيّر جذريا بعد أوسلو وتفاقم بعد استشهاد ياسر عرفات، وحلول قيادة جديدة – قديمة، مختلفة وطنيا وأخلاقيا وسياسيًا. 
إن تفكك الحركة الوطنية الفلسطينية واستحواذ قلة أوليغاركية (أقلية حاكمة)، على قيادة منظمة التحرير، وتفريغها من مضامينها النضالية وقيمها التحررية، وتحولها إلى حراس للاستعمار، ولٌد مظاهر اجتماعية خطيرة: الاستزلام، الفردانية، القبلية، والجهوية، والوصولية، والعنف الفردي والعشائري والطائفي. إنها مظاهر الضياع الاجتماعي والوطني والأخلاقي، وغياب الضوابط والروادع. 
 إن الجامعات التي من المفروض أن تكون مستقلة، في سياساتها، وقعت غالبيتها، إن لم يكن كلها تحت التأثير المباشر، أو غير المباشر، لسياسات السلطة الفلسطينية وأخلاقياتها. تستطيع أن تتعرف على هذا الواقع من العديد من المحاضرين، الذين يقومون باجتهادات شخصية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من وظيفة الجامعة الفلسطينية خاصةً في مواجهة ظروف الاستعمار، أي وظيفة تخريج أجيال تحمل المعرفة النقدية، وتحمل الهم الوطني.
والمحزن أنّ هذه الأخلاقيات، أيضًا، تترك بصماتها على الحركات الطلابية الراهنة، التي ما عادت تشبه سابقاتها، من حيث مستوى ثقافتها ومعرفتها، واستقلاليتها، وعنفوانها. 
وأخيرًا، ليست الأزمة مقتصرة على الضفة والقطاع، وإن كانت هي الأكبر، بل، أيضًا، باتت تتسع داخل الخط الأخضر وإن كانت لهذه الأزمة أسباب أخرى، وطبيعة مختلفة بعض الشيء. 
 ليست إمكانات العمل والتغيير معدومة في ظروف الأزمة الراهنة الطاحنة، بل هناك الكثير ممّا يمكن عمله. وهناك في جامعاتنا الفلسطينية، وخارجها، قوى وتيارات، وحراكات طلابية وشبابية، تجاهد في الاحتفاظ على جذوة التحُّول المأمول، خاصة من خلال توظيف الحقل الثقافي، والمعرفة التحررية.