قرارات المركزي حبر على ورق

قرارات المركزي حبر على ورق

نضال محمد وتد

لم يكد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، يصدر قراراته حتى سارع "مسؤول كبير" في رام الله، إلى طمأنة إسرائيل أن القرارات، وخاصة ما يتعلق منها بسحب الاعتراف من إسرائيل ووقف التنسيق الأمني، ليست مرشحة للتنفيذ من اليوم للغد، وأنها قرارات للتطبيق المستقبلي، بحسب ما أوردت اليوم الإذاعة الإسرائيلية. تعكس هذه السرعة في تقديم التطمينات حقيقة الدرك الأسفل الذي وصلت إليه سلطة عباس وحركة "فتح" تحت قيادة محمود عباس، ما كان مرة يعتبر أهم إنجاز للشعب الفلسطيني، وهو بناء منظمة التحرير الفلسطينية وانتزاع وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني وتكريس استقلال قرار فلسطيني بعيدا عن أطماع وسياسات الأنظمة العربية المختلفة.

وعمليا يمكن القول، إن القرارات التي أعلنها المجلس المركزي، أمس، كالقرارات التي سبقتها، لا تستحق التوقف عندها أو إيلائها أهمية لكونها، وخاصة الأخيرة، تفتقد للشرعية الحقيقية، خاصة في ظل مقاطعة الجبهتين (الشعبية والديمقراطية) وحركة المبادرة، والجهاد الإسلامي، ما يضعنا عمليا أمام قرارات فردية اختطفتها حركة فتح، وربما الأصح أن نقول اليوم، الجهات المتنفذة في حركة فتح، ولا سيما رئيسها محمود عباس، الذي صادر أيضا ضمن قرارات المجلس المركزي، أي أمل حتى لمن يؤيد القرارات البائسة، بأن تطبق هذه القرارات على أرض الواقع وذلك عندما ضمن القرارات ، قرار تشكيل لجنة "وطنية" عليا يرأسها هو.

مع ذلك وبالرغم من مسارعة جهات رفيعة المستوى في رام الله لطمأنة الاحتلال بأن القرارات لن تنفذ فورا، وأنها توصيات، فإنه لا يمكن المرور مر الكرام، ليس عن القرارات المذكورة، التي لن تتعدى كونها حبر على ورق (ويمكن اليوم القول بروح العصر، ضربات على لوحة مفتايح الحاسوب) ولا عن عقد جلسة فئوية لكتلة فتح ومن يدور في فلكها من "مستقلين"، وإنما عن مجرد بقاء هذا النهج مسيطرا في الضفة الغربية بقوة ذراع وحدات دايتون، وبفضل التنسيق الأمني مع قوات الاحتلال وخدمة مصالحه في قتل أي روح نضالية أو مقاومة شعبية حقيقية (دعك من حديث البيان للمجلس المركزي عن المقاومة الشعبية، فهو لا يتعدى كونه معسول الكلام) لسياسات الاحتلال في الضفة الغربية والقدس المحتلتين.

ويمكن القول إن قرارات المركزي، والسرعة في "التوضيح أنها لن تنفذ على وجه السرعة" تعكس خيارا وحيدا تراه سلطة عباس، أمامها وهو مواصلة التشبث بالحكم بكل ثمن ومهما كان السبيل لذلك، والتغطية على ذلك ببلاغة خطابية وسياسية مهما بدت مسؤولة أو "ثورجية" ومتحدية. فالقرارات المعلنة لا تملك أي فرصة بأن تترجم إلى أعمال وفعاليات على أرض الواقع ما دامت لا تزال تتوسل جوازات وتأشيرات المرور من حواجز الاحتلال المنتشرة داخل الضفة الغربية، فكم بالحري تأشيرات لمغادرة الوطن (كسفر الرئيس مثلا إلى عمان أو أي دولة أخرى).

وفي ظل هذا الواقع، وبالبناء على قرارات سابقة لم تنفذ، وما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخرا عن الجلسات الدورية المنتظمة لعباس وقادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية مع رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية، واستمرار التنسيق الأمني الوثيق مع وكالة المخابرات الأميركية، فإنه يمكن القول، إن الاجتماع كله، على عدم شرعيته، لا يخرج عن كونه محاولة بائسة من "رئيس لا يملك حرية التنقل بدون إذن سلطات الاحتلال"، للفت الأنظار إليه مجددا، ومحاولة استرجاع شرعية مفقودة على الصعيد الفلسطيني، واستجداء شرعية عربية من خلال التزلف لأنظمة عربية قمعية، لم تعد تخجل من تطبيع سافر مع دولة الاحتلال.

لكن كل هذه المناورات التي تقوم بها السلطة الفلسطينية لن تفضي إلا إلى مزيد من تردي الوضع الفلسطيني كله، ومزيد من الأخطار التي تهدد بتصفية القضية الفلسطينية كليا، وجعل السلطة عرضة أكثر فأكثر للابتزاز السياسي والأمني، سواء من دولة الاحتلال أو من الأنظمة العربية التي ترى وهي تقترب من انتصار حربها المضادة على الربيع العربي، أنه بمقدورها إطلاق العنان لقطار التطبيع مع دولة الاحتلال دون حاجة إلى انتظار حل، أيا كان، للنزاع العربي الإسرائيلي وحصره في خانة نزاع موضعي ومحلي بين إسرائيل و "جيرانها" الفلسطينيين.

إن الظروف التي يمر بها الشعب الفلسطيني وبالذات على خلفية مسار التطبيع المتسارع، والوضع الدولي الموالي لإسرائيل اليوم، يحتم على السلطة الفلسطينية ليس مجرد التلويح بإنهاء "الالتزامات"، وإنما اتخاذ خطوات فعلية لتنفيذ ذلك والانسحاب من مسار وإستراتيجية "المفاوضات لأجل المفاوضات"، والبدء بإجراءات لحل السلطة الفلسطينية والاتجاه لإعادة بناء منظمة التحرير بما يكفل فعليا وليس شعاراتيا "تمثيل كافة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية