قانون "الولاء الثقافي": هل سنعود إلى كليلة ودمنة؟

قانون "الولاء الثقافي": هل سنعود إلى كليلة ودمنة؟

سهيل كيوان

القانون الذي أقره الكنيست، الإثنين الماضي، في القراءة الأولى تحت مسمى قانون "الولاء الثقافي"، هو في الواقع قانون إغلاق أفواه معارضي الاحتلال والعنصرية، وخصوصًا تلك الفرق المسرحية والموسيقية، وأولئك الفنانين والمبدعين الذين يحصلون على تمويل من وزارة الرياضة والشباب والثقافة.

إنها محاولة تطبيعية بين الاحتلال والعنصرية من جهة، والثقافة والفنون من جهة أخرى، ومحاولة لتحييد الأصوات اليسارية القليلة الرافضة للتعامل مع الاحتلال في الضفة الغربية والقدس كأمر واقع، وهي أصوات باتت نادرة في المشهد الإسرائيلي، ومنهم من يرفض ممارسة نشاطه الفني في هذه المناطق مثل عروض المسرحيات والحفلات الغنائية وغيرها، إلا أنهم وعلى قلتهم لهم أهمية إعلامية، كون صوتهم يأتي من الجانب اليهودي، الأمر الذي يمنحه شرعية وتأثيرا أقوى محليا ودوليا.

هذا القانون يأتي أيضا كوسيلة ضغط لتدجين الفنانين والكتاب والشعراء العرب داخل إسرائيل، الذين ما زال معظمهم متمسّكا بالرواية الفلسطينية حول النكبة وإسقاطاتها على حياة الفلسطينيين، سواء في الشتات أو في داخل وطنهم، وذلك بهدف دفعهم إلى الصمت بكل ما يتعلق بنكبة شعبهم الفلسطيني بما في ذلك وضع الأقلية الفلسطينية في داخل إسرائيل، وهي محاولة لإرغام هذه الأصوات على الصمت إزاء ما يُخطط مستقبلا في ما يسمى "صفقة القرن".

ويأتي هذا القانون مكملا لـ"قانون القومية"، فهو يعاقب من يرفض تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، وما يترتب على هذا التعريف من ملحقات ورموز مثل العلم والنشيد الوطني الإسرائيلي، والإجراءات العنصرية مثل منع العرب من السكن في تجمعات سكنية مخصصة لليهود. هذا يعني أن مسرحية تتحدث عن منع بيع شقة لعربي في تجمع سكاني ما ستعتبر مسرحية معادية ليهودية الدولة، ومتجاوزة للقانون، وحينئذ ممكن حجب الميزانية عن المسرح المنتج لمثل هذه المسرحية.

هذا القانون يعني أن مسرحية تعتبر القدس أرضا محتلة أو تتحدث عن بشاعة ممارسات الاحتلال على الحواجز مثلا، عملا محرّضا على العنف، وحينئذ تُحجب الميزانية عن المسرح المنتج لمثل هذه الأعمال الفنية، مثلما حجبت الميزانية عن مسرح الميدان بعد عرضه لمسرحية "الزمن الموازي" المستوحاة من رواية الأسير وليد دقة.

هذا القانون يدين ويعاقب منتج أي عمل فني أو ثقافي يؤيد مقاطعة الاحتلال ومنتجاته. هذا يعني حجب الدعم عن أي مؤسسة تنتج عملا فنيا يتحدث عن حق العودة للفلسطينيين، لأنه يتناقض مع قانون يهودية الدولة.
حتى المطالبة بمساواة المواطنين العرب بالمواطنين اليهود ممكن تفسيرها على أنها تحريض على العنصرية ومن ثم على العنف، وذلك لأن المساواة بين العربي واليهودي باتت مطلبا مناقضا للقانون.

يأتي هذا القانون في سياق منظومة قوانين قمع الشعب الفلسطيني ومناصري حقوقه منذ النكبة حتى اليوم، ويدخل ضمن الإجراءات لتسهيل عملية التطبيع مع العالم العربي، وفتح الطريق للدول الراغبة بالتطبيع، وهذا يتطلب إسكات الأصوات المعارضة للاحتلال من الداخل أيضا، لأن التطبيع يحتاج إلى صمت وغمغمة وتجاهل للواقع.

هذا القانون يعني إخضاع الفن والإبداع للسياسة، وبهذا لا يختلف بشيء عن قوانين الأنظمة الدكتاتورية، التي تنبذ الفنان والشاعر والكاتب والمؤسسة والفرقة الفنية المختلفة معها فكريا.

من جهة أخرى لا يمكن لفن حقيقي أن يتجاهل الواقع الذي يدور من حوله. هناك واقع اسمه احتلال وعنصرية تمارس ضد ملايين من البشر، ولا يمكن لفن وأدب حقيقي أن يتجاهل هذه الحقائق وأن يصمت. 
السؤال كيف سيتصرّف الفنانون من اليساريين اليهود ومسارحهم وفرقهم، هل سينأون بأنفسهم عن موضوعيّ الاحتلال والعنصرية؟ 

هل يستطيعون تحدي هذا القانون وخصوصا تلك المؤسسات كالمسارح التي تحصل على دعم من الوزارة؟ وماذا مع الكتاب والمثقفين والفنانين العرب؟ هل سيعودون بالفن إلى لسان الحيوان كما في قصص كليلة ودمنة عوضا عن الحديث مباشرة عن أبناء بني البشر؟! وأي الحيوانات يقبل أن يلعب دور المحتل العنصري؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018