مذكرات براك: "نجاح" المحارب وفشل رجل السياسة

مذكرات براك: "نجاح" المحارب وفشل رجل السياسة

سليمان أبو إرشيد

يُعتبر رئيس الحكومة الأسبق، إيهود براك، واحدًا من الشخصيات الإسرائيلية التي جمعت بين الرصيد العسكري "الدّسم" والتّجربة السياسية الغنية، على شاكلة يتسحاق رابين وأريئيل شارون وموشيه ديان وعيزر فايتسمان وغيرهم، إلا أنه بخلاف الآخرين بنى "مجده" العسكري الذي امتد من قيادة وحدة النخبة الشهيرة، "سييرت متكال"، إلى قيادة أركان الجيش الإسرائيلي على بعض عمليات الكوماندوز الملطخة بدماء الرموز والقادة الفلسطينيين من غسان كنفاني إلى أبو جهاد مرورًا بعمليّات اغتيال كمال ناصر، وكمال عدوان، وأبو يوسف النجار، التي تنكّر فيها بزي امرأة.

وسرعان ما تلقفت الساحة السياسية الإسرائيلية كعادتها الجنرال "المرصّع" بأوسمة "الشّجاعة" بعد إنهاء الخدمة العسكرية التي دامت 35 عامًا، إذ عينه يتسحاق رابين وزيرًا للداخلية في حكومته الثانية لينضمّ بعدها إلى حكومة شمعون بيرس الانتقالية بعد اغتياله، قبل أن يقود حزب العمل إلى الفوز على بنيامين نتنياهو في انتخابات عام 1999.

إلا أن فترة حكم براك كانت قصيرة، إذ اضطر إلى تقديم موعد الانتخابات في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد، واندلاع الانتفاضة الثّانية عام 2001، ثم خسر المعركة أمام شارون، ليعود لإشغال منصب وزير الأمن في نهاية عهد حكومة أولمرت، وفي عهد حكومة نتنياهو الثالثة قبل أن يعلن عن اعتزاله العمل السياسي عام 2012.

ورغم انسحابه من المعترك بقي ظلّ براك يخيم على الساحة السياسية، خاصّة في ضوء غياب بديل موازنٍ لنتنياهو الذي قزم جميع منافسيه، وذلك لما امتلكه من وزن نوعي في المستوى العسكري والأمني وما تمتّع به من قدرة على التصدي للقضايا الاستراتيجية التي تواجه إسرائيل.

كما نجح براك في تحويل نفسه إلى "معارض وحيد"، في وقت عزّت فيه المعارضة وسط حالة الوئام التي باتت تخيم على الساحة الإسرائيلية، وانسحاب ما كان يعرف بـ"معسكر السلام" إلى داخل الإجماع الإسرائيلي، وتخليه عن رؤيته وشعاراته السابقة.

لقد دخل براك من حالة الفراغ تلك واستغلّ وسائط التواصل الاجتماعي أهمّها "تويتر" و"فيسبوك"، وقصور الرؤيا الإستراتيجية لدى أطراف وقادة أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزب العمل ليصوّر نفسه كـ"نبيّ غضب"، ينبئ ويحذّر وينذر من الكارثة التي يجلبها التّحالف اليمينيّ الدينيّ الاستيطانيّ الذي يقوده نتنياهو على مستقبل إسرائيل واستمرار وجودها.

من هذا الباب نظر المعلقون إلى السيرة الشخصية لبراك، والتي صدرت مؤخرًا باللغة الإنجليزية تحت عنوان "بلادي حياتي - محارب من أجل إسرائيل وباحث عن السلام"، ليس كجزء من التاريخ الموثق الذي يكتب بأيدي صانعيه فقط، بل كمحاولة أخرى من محاولات إعادة نفسه إلى مقدمة المسرح السياسي الإسرائيلي الذي بات يفتقر إلى لاعبين كهذا.

وقد ذهب بعض المعلقين إلى تشبيه سيرة براك تلك بمذكرات رابين "بطاقة خدمة"، التي صدرت بعد استقالته من رئاسة حكومته الأولى عام 1976، إثر فضيحة الدولارات التي تورّطت بها زوجته.

لكن ما يهمنا نحن من هذه "السيرة" أساسًا، هو الفصل الذي يتحدث عن المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، والذي يؤكد فيه براك ما كان معروفًا حول موقفه المناهض لعملية أوسلو، حتى عندما كان وزيرًا في حكومة رابين، بالإضافة إلى معارضته لنقل المزيد من الأراضي للسلطة الفلسطينية في إطار ما كان يعرف بنظام "النبضات"، بادعاء أن عرفات لا يفي بالتزاماته من الاتفاق.

ويزايد براك في مذكراته على نتنياهو، ويصفه بأنه كان يقدم نفسَه كمعارض عنيد لاتفاق أوسلو، في حين واصل تنفيذ نقل أراضٍ للسلطة الفلسطينية خلال توليه رئاسة الحكومة بين سنوات 1996- 1999 رغم عدم إيفاء عرفات بالتزاماته كما يدّعي.

ويكشف براك بموقفه هذا أن الهدف الرئيس من وراء عقد مؤتمر كامب ديفيد هو قطع مسيرة أوسلو لأنها تنطوي، من وجهة نظره، على تنازلات ونقل المزيد من الأراضي للسلطة الفلسطينية، في حين أنه قام في كامب ديفيد بنقل الكرة إلى الملعب الفلسطيني، وأظهر، بنيّة مبيّتة، للعالم ولـ"معسكر السلام الإسرائيلي" عدم وجود شريكٍ فلسطيني للسّلام، وهي المقولة التي ما زال اليمين الإسرائيلي يستعملها للتنصّل مما يسمى بمسيرة السلام.