فلسطين والثقافة الذكورية

فلسطين والثقافة الذكورية

يارا هواري

منذ أن عُثر على جُثة يارا أيوب، من قرية الجش ذات 16 ربيعًا بعد أن اختفت آثارها منذ ما يقارب الأسبوعين، والعديد من الفلسطينيين في فلسطين التاريخية منهمكون في النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي حول العنف ضد المرأة، وحول الثقافة الذكورية عمومًا. عُثر على جثة يارا في حاوية القمامة وقد شُوِّهت بوحشية. حضرَ جنازة يارا آلاف الفلسطينيين من قريتها والمناطق المحيطة. وساد الحزن والأسى، وخرج الناس يشيعون جنازتها وقد حملوا لافتات كُتبَ عليها "يارا في قلوبنا." خرجت تظاهرات أخرى في الناصرة وسخنين وحيفا ويافا تدعو إلى القضاء على العنف ضد المرأة. 

إن المطالبة بالقضاء على العنف ضد المرأة هي ردة فعلٍ فورية مفهومة للأفعال الوحشية البشعة كمقتل يارا. غير أن العنف ضد النساء في فلسطين لن يتوقف دون التصدي بجدية لأوجه الذكورية على كافة المستويات. الذكورية في فلسطين، كأي مكان آخر في العالم، نظامٌ يعزز الهيمنةَ والهرميةَ الذكورية، ويعزز ثنائية المرأة والرجل وقوالبهما النمطية من أجل الحفاظ على هيكل السلطة الراهن. وفي حين أن أثر الذكورية يطال الجميع، إلا أن تجلياته العنيفة تطال النساء أكثر من غيرهن. وهذا يتضح في موقفٍ تحكيه الروائية والناشطة النسوية الكندية، مارغريت أتوود، التي سألت صديقًا لها ذات مرة عن سبب شعور الرجل بالتهديد من المرأة، فأجاب: "إن الرجال يخافون أن تضحك عليهم النساء". ولمَّا سألت مجموعةً من النساء عن سبب شعورهن بالتهديد من الرجل، أجَبْنَ: "نخشى أن نُقتل". ولربما نحن النساء لا ندرك حتى هذه الخشية لأنها في الغالب مطبَّعة في سلوكنا اليومي.

تحمل بعض النسوة عند عودتهن إلى بيوتهن ليلًا مفاتيح في أيديهن كسلاحٍ جاهز عند الحاجة لاستخدامه في حال تعرضهن إلى أي اعتداء جسدي مباغت. وأحيانًا أخرى يجبرن على الاختيار ما بين وضع سماعات الأذن والاستماع إلى الموسيقى لتفادي الاستماع إلى التحرشات اللفظية في الطرقات أو الامتناع عن ذلك حتى يبقين يقظات في حال حاول أحدهم مباغتتهن. تشير الإحصاءات إلى أن أغلب الاعتداءات الجسدية التي تتعرض لها نساء، يرتكبها، على الأرجح، رجل مقرب ومعروف من عائلة المرأة المعتدى عليها. والمحزن في الأمر أن العديد من النساء يقضين حياتهن وهن يفكرن في ما يستطيع الرجال من حولهن أن يفعلوا.

ينطوي الكفاح من أجل حرية المرأة أيضًا على تبعات خاصة بالنساء. تعي النساء تمامًا عند مشاركتها في الاحتجاجات أو التظاهرات بأن أجسادهن سلاح عرضة في أي وقت للاستخدام ضدها، وأن فرضية التعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي أو التهديد به في حال الاعتقال أمر غير مُستبعد. وهذه الفرضيات هي بحد ذاتها كفيلة بثني نساء كثيرات عن المشاركة في النضال السياسي، في ظل غياب آليات التعامل مع حالات التحرش الجنسي في أوساط الناشطين. وهذا لا يُنفر النساء فحسب، بل يُشعرهن أيضًا بالضيق وعدم الأمان في المساحات السياسية التي تتطلب حضورهن.

ساهمت مأسسة الحركة النسائية في فلسطين في إطار منظمات غير حكومية وتدخل المجتمع الدولي في تصعَّيب التعامل مع مسألة الذكورية في المجتمع الفلسطيني. وبرز هذا الأمر في التركيز على القضايا الجزئية الصغيرة من دون فهم صلتها بهياكل الهيمنة الأوسع. ففلسطين خير مثال لتضافر عوامل الاستعمار والرأسمالية والذكورية، في إبقاء الفقيرات المضطهدات المهمَّشات خاضعات لنظام هيمنة لا تبدو له نهاية.

إن قضية يارا أيوب ليست جريمة فردية معزولة. ففي كل عام تتعرض عشرات النساء الفلسطينيات للقتل جراء العنف القائم على النوع الاجتماعي، ولكن قصة واحدة من تلك القصص تأسر الاهتمام والغضب الشعبي في معظم الأحيان. وإكرامًا لذكرى يارا وذكرى مثيلاتها، علينا أن نتعلم درسًا جادًا بأن علينا التصدي للذكورية في كل تجلياتها البشعة؛ ولا بد للرجال من المشاركة الفاعلة في هذه الجهود وعدم الاكتفاء بالتعريف بأنفسهم كمؤمنين بالمساواة بين الجنسين. وفي حين أن الانتقاد  الذي يوجهونه إلى نظرائهم وأقربائهم هو أمرٌ مهم، إلا أن عليهم أيضًا أن يُدركوا التقاليد والأعراف الذكورية والسلوكيات البغيضة التي يجسدونها.

اقرأ/ي أيضًا | وداعا يارا أيوب

لقد بات هذا الأمر أكثر أهميةً وإلحاحًا من ذي قبل، لأن التحرر الفلسطيني البادي في الأفق لن يتحقق من دون تحرر نسائه.

(زميلة سياساتية في شبكة السياسات الفلسطينية «الشبكة» في فلسطين)