يا مدارس يا مدارس..

يا مدارس يا مدارس..

سهيل كيوان

يحدث بين حين وآخر، اعتداء على معلم، يليه إضراب من قبل المعلمين والطلاب، هذا حدث في عشرات المدارس من كافة الأجيال والمناطق. 

تعاني شريحة المعلمين معاناة فظيعة مع الطلاب، إذ لم يعد الطلاب منضبطين كما كانوا في حقب سابقة، وهناك تفاوت في فهم معنى الحرية لدى الأهل والطلاب والمعلمين.

الطلاب يعشقون الحريّة، خصوصا في الحصص المتأخرة آخر النهار، فهم يشعرون أنهم في سجن، ولكنهم فوضويون إذا ما تركوا على الغارب، وفي سنّهم الطرية، فإن معظمهم لا يعرفون الحدود بين الحريّة والفوضى التي قد تصل إلى حد تخريب الممتلكات والاعتداء على الآخرين.

الطلاب يحبون المعلم ضعيف الشخصية، لأنهم يتصرفون معه على أهوائهم، وهم مستعدون أن يهينوه وأن يسخروا منه بلا تأنيب ضمير، لأن ضمير الإنسان هو عملية تلقين وتربية على المدى الطويل، ولا تأتي من تلقاء نفسها.         

لدى بعض الطلاب موهبة في التمثيل، يستغلونها أثناء الحصة، قد ينتقل طالب من مكان إلى مكان في الصف راقصا وممثلا بدون أن يؤذن له، وهذا يلقى تشجيع الطلاب وحماسهم وضحكهم، وإذا لم يتدخل المعلم في الوقت المناسب، فإن الفوضى ستعم، وسيقف طالب آخر ليمثل ويرقص مثله، وسيجد المعلم نفسه محرجا إذا ما سمح لواحد ومنع آخر، ولهذا فإن الدراما يجب أن تكون جزءا من التربية، في حصة خاصة بها، وليس في حصة الدرس العادي.   

بعض الطلاب لا يطيق الجلوس في مكانه أكثر من بضع دقائق فينتقل من مكان إلى آخر، وهؤلاء الطلاب (الهيبر آكتيف)، مكانهم ليس في الصفوف العادية، والمفروض وضعهم في الإطار المناسب، وعدم إرغامهم على التأقلم مع الصف الطبيعي لأنهم يضرون من حولهم ويتضرّرون.

الطالب بات أكثر حساسية بكثير من السابق، وكذلك الأهالي، والذي يتحمل كل هذه الحساسيات هو المعلم.

بذريعة تقوية شخصية الطفل، يسمح بعض الأهالي لأولادهم بتصرفات مزعجة تصل حد الاعتداء على الآخرين أو تخريب ممتلكاتهم.    

في الماضي كان التشديد على التربية والاحترام على حساب الانطلاق والانفتاح وحرية السؤال، ولهذا رأينا أجيالا من المنضبطين الذين يرون بالمعلم شخصية مقدسة، كانوا يهربون من وجهه إذا التقوا به في الطريق، ولكن الناجحين من هؤلاء يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، ومعظمهم لم يستوعب الكثير مما تعلمه، فقد كان يجلس في الصف صامتا مترددا حتى عندما لا يفهم الدرس، فإنه كان يخشى السؤال، وعندما كان الأستاذ يتساءل: فاهمين؟ كانوا يهزون رؤوسهم كذبا بأنهم فهموا الدرس.

بينما نرى في هذا الوقت أن معظم الطلاب يطرحون الأسئلة، ولكن بفوضى وصراخ، ولكنهم يحصّلون علامات ممتازة، أفضل بكثير من تلك التي كان يحققها أهلهم المنضبطون.

مشكلة كبيرة يعاني منها المعلمون، وهي أن الأهالي في معظمهم لا يشاركون في اجتماعات تدعو لها المدرسة، إلا في حالة وقوع مشكلة، فهم منشغلون في تحصيل رزقهم، ويرمون عملية التربية كلها على المدرسة، ولا يفطنون لأولادهم إلا إذا تعرّض ابنهم إلى تعنيف كلامي من قبل معلم، أو تقاتل مع طالب، حينئذ يذهبون إلى المدرسة وهم غاضبون لمحاسبة المعلم والطالب الآخر، وهم لا يعرفون بأي صف أو شعبه يتعلم ابنهم، ولا من هم معلموه، وما هي تصرفاته.

إذا كنا نريد جيلا أفضل، فعلينا منح المدرسة شيئا من وقتنا، وسماع المربين وملاحظاتهم، زيارة قصيرة مرة في الشهر، قد تمنح الأهل فرصة لمعرفة أبنائهم أكثر، بالتأكيد أن كثيرين لا يعرفون شيئا عن أخلاقيات وتصرفات أبنائهم، والمؤكد أن بعضهم سوف يُفاجأ عندما يسمع عن ابنه أو ابنته أنها مشاغبة، أو ممثلة أو صاحبة نكتة جيّدة مثلا، زيارة كهذه مرة في الشهر ستُفهم الطالب بأنه مراقب، وأن هناك من يسأل عنه ويهتم بمصيره، وحينئذ سيهتم بأن يكون أفضل مما هو عليه، وإذا كان جيّدا فهذا نور على نور.

لا يمكن لمجتمع يهمل أبناءه على مدار العام، ولا يعرف عنهم شيئا سوى الشهادة في آخر الفصل، أن يقطف ثمارا طيبة، ولا يمكن له أن يتحاشى التسيّب والعنف، إلا بالرقابة والتدريب والمتابعة، فالطلاب مكشوفون لثقافة العنف بصورة لا سابق لها، من خلال المسلسلات والأفلام والألعاب العنيفة الكثيرة على أجهزة الهاتف التي تتفاقم يوما بعد يوم.    

العملية التربوية يجب أن تكون بالشراكة بين الأهالي والمعلمين، وهذا يعني رفع مستوى المسؤولية الشخصية والوطنية والقومية، والنظر إلى الأجيال الصاعدة بقلق وبمسؤولية ثقيلة على الجميع أن يتحملها.

إن من أفضل الأعمال الوطنية التي قد نقوم بها، هي زيارة المدرسة والسؤال عن أبنائنا.

يجب وضع زيارة ولي أمر الطالب إلى المدرسة ضمن برنامج الطالب على الأقل مرة واحدة في الشهر، وعلى وزارة التعليم أن تتعامل مع زيارة الأهل بجدية، كموضوع شبه إلزامي، وأن تحوّلها إلى جزء من العلمية التعليمية والتربوية.  

اقرأ/ي أيضًا | لا تضربها...