الجدل حول الجنائز قديم..

الجدل حول الجنائز قديم..

سهيل كيوان

هل الجدل صحي ومفيد في كل قضية كبرت أو صغرت؟ خصوصًا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك؟ حيث أن كل قضية صارت ميدانا للنقاشات واستعراض المواقف، بين مؤيد ومعارض ومحايد، ولم يعد الرأي مقتصرًا على قادة أو أئمة أو رجال علم أو رجال مجتمع أو أحزاب، ولا على امرأة أو رجل، ولا على كبير ولا صغير، فلكل فرد رأيه، وبإمكانه أن يدلي بدلوه، وكل واحد لديه حججه ومنطقه الذي قد يُعجب البعض أو قد لا يعجبهم.

أثارت مشاركة أو عدم مشاركة النساء في جنازة المرحومة آية مصاروة قرائح الكثيرين، فكتبوا الكثير، فقد دعا البعض إلى مشاركة النساء في الجنازة، وذلك أن الفتاة المغدورة كانت ضحية عنف غير عادية، بينما قال البعض بعدم مشاركتهن، والاكتفاء بما هو معتاد في البلد أثناء تشييع الجنائز، حيث لا تشارك النسوة في التشييع من البيت إلى المقبرة، ويودعن الفقيد من بيته.

النقاش حول مشاركة أو عدم مشاركة المرأة في الجنازة ليس جديدًا، فهو قديم منذ مئات السنين، لكنه يظهر بين فترة وأخرى، خصوصًا في الجنازات المختلفة من حيث جوهر حادثة الوفاة، أذكر مثلا أن هذا الخلاف وقع أيضا في جنازة الشهيد أحمد المصري في مجد الكروم عام 1977، حيث أصرّ بعض النساء على المشاركة في التشييع، كانت حركة النساء الديمقراطيات التابعة للجبهة الديمقراطية في حقبة ازدهارها، وقد شاركن في الجنازة، لكن وراء الرجال وليس جنبًا إلى جنب معهم.

هذا الخلاف رأيناه في مناسبات أخرى، ليس بالضرورة في جنازات، مثل مظاهرات الاحتجاج السياسية على الهدم أو العنف، فهناك أيضا من اعترض على الاختلاط، وطلب أن تكون مشاركتهن من خلف مسيرة الرجال، وفي الواقع هذا ما يحدث غالبا وتلقائيا، في يوم الأرض وغيرها من مناسبات وطنية.

المنطق الذي يسوقه البعض في عدم مشاركة النسوة في الجنازات هو التفجّع والصراخ والنواح الذي تمارسه بعض النسوة، وصعوبة السيطرة على مشاعرهن، وخصوصا القريبات جدا من الفقيد أو الفقيدة، مثل الأخوات أو الوالدة، وهذا يضايق أهل الفقيد أو الفقيدة، ويحرجهم قبل غيرهم، وقد يفقد الجنازة هيبتها.

علينا أن نراعي المشاعر، وأن لا نحوّل مثل هذه الخلافات إلى صدامية، بنعم أو لا، البعض يرى أنه لا بأس  من مشاركة النساء في الجنازة وراء جموع الرجال، بحيث يكون بينهم بضعة أمتار، الرجال من الأمام والنساء من الخلف، كما هو متّبع في مظاهراتنا الوطنية، خصوصًا عندما تكون الجنازة لضحية من ضحايا العنف، أو ضحية في ظروف مأساوية قاسية مستفزة للمجتمع، عمليا تكون الجنازة في هذه الحالة مسيرة احتجاج على الجريمة، علما أنه في الجنازات العادية، تبقى النساء فترة أطول من الرجال مع الميت، حيث يسجّى جثمانه بينهن بعد إعداده أحيانا لساعات، ثم يودّعنه من البيت أو من المكان المتفق عليه في البلدة إذا وجد مكان كهذا، بينما ينقله الرجال إلى مثواه الأخير، وفي بعض القرى لا يشارك كل الرجال ويكتفون بعد الصلاة عليه ببضعة رجال ينقلونه إلى المقبرة.

مرافقة النساء للجنازة ليست محرمة دينيا لدى المسلمين، ومتاحة في أكثر من مذهب، شرط أن لا تلطم ولا تشق الثوب، وأن لا تكون صبية متبرجة، وهذا منطق، فليس من الطبيعي التبرج لحضور جنازة، كذلك فيه كراهة لدى بعض الأئمة، ولكن لا يوجد تحريم، ولا في أي مذهب، والحقيقة أنها عادات اجتماعية قد تختلف من بلد إلى آخر، ومن طائفة إلى أخرى، هذا يتعلق دائما بالجنازة والفقيد وظروف رحيله، فجنازة شهيد أو ضحية قتل أو شخصية اجتماعية تتحول إلى مظاهرة ولا تبقى جنازة عادية، وهذا هو المنطلق الحقيقي للمطالبين والمطالبات بالاشتراك في جنازة المرحومة آية مصاروة، إذ أنهم أرادوها تظاهرة ضد العنف، الأمر الذي أثار جدلا. 

هذا الارتباك في مجتمعنا، سببه الشعور بخطر التحولات الاجتماعية الهائلة التي تجري أمام أعيننا، إلا أننا نناقض أنفسنا، فلو نظرنا إلى مجتمعنا لرأينا أننا نرسل بناتنا إلى الجامعات ونحثهن على الدراسة الأكاديمية، التي تعني التغيّب أياما وأشهر عن البيوت وعن الرقابة معتمدين بهذا على تربيتهن، إلا أننا بعد تخرّجهن نحاول إعادتهن إلى مربعات يكن قد تجاوزنها منذ زمن بعيد. 

ثم كيف نفهم "العرس المختلط" مثلا، في معظم القرى والمدن العربية، وهي نفسها القرى والمدن التي تمنع مشاركة النساء في الجنازة؟

صحيح أن هناك أعراس غير مختلطة، ولكن كيف نفهم الرحلات المنظمة المختلطة من عشرات آلاف الأسر سنويا في الطائرات والحافلات والبواخر والفنادق، بين رجال ونساء ثم نتوقف فجأة عند الجنازة! كيف نفهم الاختلاط في الثانويات بين طلاب وطالبات، ولكننا نمنع مشاركتهن في تشييع جنازة؟ 

يعيش مجتمعنا حالة من الارتباك في مواجهة الحداثة، وبرأيي أن الخطر الذي علينا مواجهته بانتباه أكثر ومنذ سن الطفولة، هو الهواتف الذكية والشبكة العنكبوتية التي يجب ترشيد الأجيال الصاعدة في استعمالها، فهي المشكلة الحقيقية والتحدي الأكبر.
         
نحن نتعرض إلى هجوم يومي في عقر بيوتنا من خلال الشبكات العنكبوتية، وجميعنا ننكشف لكميات هائلة من التفاهات والانحرافات، ولكن مقاومتنا تتجه إلى المواقع الخطأ، مثل الجنازات. 

في النهاية، لا أحد يستطيع فرض تقليد معين على بلد بعينه، فلكل بلد عاداته وتقاليده في الأفراح والأتراح وعادات تقديم التشييع وتقديم العزاء. لهذا، من المهم ترك كل بلد وعائلة وطائفة أن تقرر بنفسها ما تريد وكيف تتصرف في حالات الوفاة الطبيعية، أما في الحالات الشاذة التي يكون فيها سبب الموت حدثا غير طبيعي، فمن الطبيعي أن تكون الجنازة تظاهرة احتجاجية بمشاركة الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف كل بلد وبلد وعاداته وتقاليده دون استفزاز لأحد، وخصوصا أهل الفقيد أو الفقيدة، لأن ما فيهم من ألم يكفيهم.