الهاجس الديمغرافي ونظرية استبدال العنصر الأبيض

الهاجس الديمغرافي ونظرية استبدال العنصر الأبيض

سليمان أبو إرشيد

أعادت مذبحة نيوزيلندا إلى أذهان الكثيرين منا صور مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، التي ارتكبها باروخ غولدشتاين عام 1994، وراح ضحيتها 29 فلسطينيا. مشاهد دماء المصلين السجد المسفوحة على بساط المسجد وصورة القاتل الأبيض بالسلاح الأوتوماتيكي والعقلية العنصرية الاستعلائية التي تقف من وراء جريمته، هي من التطابق إلى الحد التي جعلت معلقا إسرائيليا ساخرا يقول، إن القاتل من نيوزيلندا أراد تمثيل مجزرة الخليل في ذكراها السنوية، إلا أنه أخطأ التاريخ ببضعة أيام فقط.

تتعزز هذه العلاقة إذا ما أدركنا أن القاتل من نيوزيلندا، الذي كان قد زار إسرائيل في وقت سابق، نشر على الشبكة نهاية الأسبوع الماضي وثيقة بعنوان "البديل الكبير"، وهو شعار رفعته منظمة النازية الجديدة خلال مظاهرة 2017 في فرجينيا الأميركية.

ويعتمد هؤلاء، كما يفيد تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" على نظرية المؤامرة التي بلورها فيلسوف فرنسي يميني متطرف، والتي تسمى بـ"نظرية الاستبدال"، وتقوم على فكرة أن نسبة الولادة المتدنية بين السكان البيض في أنحاء العالم، ستؤدي إلى استبدالهم واحتلال مواقع سكناهم من قبل غير البيض.

ويعتقد أعضاء حركة "القوة البيضاء"، بأن كل شيء يمر من خلال "الجندر والتناسل"، كما تقول المحاضرة في قسم التاريخ في جامعة شيكاغو، كاتلي نبيلين، التي بحثت هذه المنظمات. وهم يوجهون أصبع الاتهام لـ"الفمينيزم النسائي"، الذي دفع المرأة إلى سوق العمل عوضا عن إنجاب وتربية الأطفال، وهم يعيدون مجددا طرح أسئلة مثل حق المرأة بالعمل والتصويت في الانتخابات.

وفي السياق ذاته، يقول أرون كوندناني، المحاضر في جامعة نيويورك ومؤلف كتاب "المسلمون قادمون! إسلاموفوبيا، تطرف وحرب داخلية ضد الإرهاب"، إن الرجال البيض يجدون أنفسهم في "صدام الحضارات"، في موقع أدنى لأن نساءهم لا يقمن بالواجب الملقى عليهن في عملية التناسل، وذلك في وقت أوقف المسلمون النساء عند عند حدود دورهن في هذه العملية. 

وقد تحول التخوف من نسب الولادة المنخفضة، كما يشير تقرير "نيويورك تايمز"، إلى حالة مرضية بالفعل، خاصة في أعقاب ما كشفته الأبحاث الجديدة من هبوط في تعداد "الحيوانات المنوية" ومستوى "التوسترون"، حيث باتت تنتشر ظاهرة شراء عدادات بيتية لإحصاء "الحيوانات المنوية"، فيما يتوجه آخرون للعلاج ورفع مستوى "التوسترون"، وهم مقتنعون بأن الحداثة خفضت من رجولتهم.

إنه الخطاب الديمغرافي ذاته، الذي يضرب في عمق السياسة والفكر الإسرائيلي، وينظر له أرنون سوفر وسيرجيو فرجولا وغيرهم من الباحثين الإستراتيجيين، ويعتمد أسلوب التهويش والتخويف من الخطر الديمغرافي القادم، وهو خطر تتم مواجهته إما بالقتل والترانسفير، وإما بتسييس قضايا الأحوال الشخصية مثل الزواج والتناسل والإنجاب، وقلب معادلات التطور الاجتماعية الأساسية، المرتبطة بانخفاض معدلات الولادة كلما ارتفع مستوى ثقافة النساء ومستوى حياتهن.

لقد تمكن هذا التسييس في إسرائيل من قلب القاعدة الإنسانية الأساسية، حيث أصبح التحديث والعصرنة عاملا لزيادة نسبة الولادة عوضا عن خفضها، ووضع إسرائيل التي تفاخر بانتمائها للعالم الغربي المتطور تحت الخيمة ذاتها مع العالم العربي.

ونجح في رفع معدلات ولادات النساء الإسرائيليات لتصل إلى 3.1، أي أكثر بولد واحد من دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD)، بما فيها  الهند والبيرو وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وغيرها من دول العالم الثالث، وأن تضع إسرائيل مع دول العالم العربي.

ومن الواضح أن إسرائيل سعيدة بهذا الإنجاز، المتمثل بمنافسة العرب في نسبة الولادة والتكاثر الطبيعي في أوساط العلمانيين اليهود، علما أن نسبة الولادة والتكاثر بين المتدينين اليهود تفوق هذه النسبة بأضعاف ذلك. إنها "برانويا" الهاجس الديمغرافي هنا، و"الإسلاموفوبيا" هناك، المنطلقان من العقلية الاستعمارية العنصرية ذاتها.