مستشفيات قذرة...

مستشفيات قذرة...

سهيل كيوان

في الوقت الذي يتحدث فيه الإعلام عن ملفات نتنياهو وأسرته، وفضائحه المالية، من ملف الشمبانيا والسيجار إلى ملف الغواصات والأوراق المالية، وتجري ضربات من تحت الحزام بين غانتس ونتنياهو، هذا يتحدث عن فساد بيبي واستئثاره بملايين الشواقل على حساب الأمن، بينما يتحدث بيبي عن هاتف غانتس الذي احتلته إيران، ويتنافس الجميع على من هو الذي سيؤدب حماس، ومن الذي سيحرم الفلسطينيين من حقوقهم، ويتنافسون في من يبعد بحزم أكثر عن شبهة البحث عن السلام مع الفلسطينيين، وإبعاد شبهة التفكير في إقامة حكومة معتمدة على العرب، في هذا الوقت بالذات، فإن هناك تجاهلا للمشاكل اليومية التي تواجه قطاعات واسعة من الجمهور، والتي يفترض أن تتحمل مسؤوليتها حكومة نتنياهو ووزاراتها، وكذلك الأحزاب من خارج السلطة، فهناك أزمة حقيقية في قطاع الصحة والمرافق التابعة له.

في زمن ما، كان دخول المستشفى عبارة عن بضعة أيام من النقاهة والراحة في مكان نظيف وصحي، ولكنه في زمن حكومات نتنياهو بات خطراً، وصار معروفًا أن دخول المستشفى كزائر أو مريض أمر غير صحي بتاتًا وحتى مغامرة خطيرة، فالدخول يشكل خطراً كبيراً على المرضى والزائرين على حد سواء، وذلك بسبب الاكتظاظ والأقسام المفتقرة إلى الحد الأدنى من النظافة البديهية في أمكنة كهذه، حيث تكثر الجراثيم.    

هذه القذارة نراها في المستشفيات بالعين المجردة، رغم أن هيئات الصحة العالمية وضعت إسرائيل في المكان العاشر صحيا على مستوى العالم.

وصلت نسبة حجز الأسرّة في المستشفيات إلى أكثر من 100% خلال فترة الشهر الماضي، وفي بعض المستشفيات وصلت إلى 150%، وكادت الطواقم الطبية أن تترك العمل هربًا واحتجاجًا أمام ظروف الضغط التي تعمل فيها، وجرى في كثير من الحالات إرسال مرضى إلى بيوتهم قبل إتمام علاجهم نتيجة عجز الاستيعاب.

من يحضر ساعة في قاعة استقبال في أي مستشفى، يستطيع أن يفهم عن ماذا يدور الحديث، حيث ترى أن معظم الحضور في حالة عصبية، كثيرًا ما يتحول الانتظار إلى كلمات نابية وتهديدات موجهة إلى الطواقم الطبية التي تكاد تنهار نتيجة العمل الكثيف، وقلة الأيدي العاملة نسبة لأعداد الوافدين للعلاج، وهذا يحدث بسبب النقص الحاد في أعداد الأسرّة والطواقم الطبية في دولة تحتل المكان العاشر عالميًا على سلم الرعاية الصحّية.  

من الأمور التي يصعب تصديقها، هو ما تراه عيناك عند زيارتك لقسم الأمراض الباطنية في مستشفى الجليل في نهاريا، هذا المستشفى الحكومي يخدم حوالي 600 ألف مواطن في منطقة الشمال، معظمهم من القرى العربية والكيبوتسات والموشافيم وعكا وشمالها، في المستشفى 730 سريرًا، استقبل في العام المنصرم 125000 حالة في قسم الاستقبال، أي حوالي 350 حالة في اليوم الواحد، مكث منهم لمواصلة العلاج 56300 حالة في مختلف أقسامه، كذلك فقد استقبل أكثر من 200 ألف للمراجعات في العيادات الخارجية التابعة له.

يصعب أن تصدق ما تراه عيناك في أقسام البناية القديمة، لون البلاط أسود بسبب تقادمه وتراكم القاذورات والرطوبة عليه على مر السنين، فيبدو كأن طبقة من الأوساخ تغطيه، وهو مشهد مثير للغثيان والتقزز، بالذات، لأنه في مكان يفترض أن يكون أنظف من الصالون في بيت المريض.  

هذا إضافة إلى الروائح الكريهة المنتشرة في القسم الباطني، حتى يتساءل الإنسان؛ هل يُعقل أنه لا توجد ميزانيات لتجديد هذه الأقسام المتعلقة بصحة الجمهور وحياته؟ وإلى متى الصمت على هذه المهزلة والمكاره الصحية في المستشفيات؟

لا أوجه كلامي لعاملي وطواقم المستشفى من أطباء وممرضين، الذين يعملون ما بوسعهم لتقديم أكثر ما يمكن للمرضى من خدمات وعلاج، ولكن أوجّه هذا الكلام إلى وزارة الصحة وللحكومة المستهترة بصحة الجمهور، وكذلك لمن يطرح نفسه بديلا عن الحكومة الحالية، ولا يتحدث إلا مزاودًا على الليكود في يمينيته، وهو موجّه لمختلف الكتل البرلمانية من كل الأطياف، من عرب وغير عرب، من يسار ومن وسط ويمين، وموجّه إلى إدارات المستشفيات، كيف يمكن الصمت طيلة هذه السنين على هذا الوضع المزري؟ كذلك فهو موجّه إلى الجمهور الذي يتعامل مع صحته وصحة أحبائه كما لو كانت قضية هامشية لا تستحق الالتفات لها، وأخص الجمهور العربي في الشمال، الذي يشغل معظم الأسرة في مستشفيات الشمال، ومستشفى نهاريا بشكل خاص...               

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019