وصيّة عاموس عوز: تأطير الصراع

وصيّة عاموس عوز: تأطير الصراع

أنطوان شلحت

"كل الحساب لم ينته بعد" هو عنوان آخر محاضرة ألقاها الكاتب الإسرائيلي، عاموس عوز، في جامعة تل أبيب الصيف الماضي، قبل وفاته في أواخر عام 2018، وظهر نصّها الكامل أخيرا، ضمن كتاب من شأنه أن يحيل إلى وصيته حيال مستقبل الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، والذي سبق أن خصّص له كثيرا من مقالاته، فضلًا عن مجموعة من كتبه غير الروائية.

ويحتاج الوقوف عند ما ورد في ثنايا هذه الوصيّة إلى وقفة أوسع. ولذا يُكتفي هنا بالتطرّق، بنظرة طائر، إلى المفهوم الذي يتحكّم بعوز فيما يخصّ تأطيره الشخصيّ هذا الصراع، وهو مفهومٌ يطغى مبنىً ومعنىً على استنتاجاته الفكريّة كافة، سواء من حيث قراءة الواقع، أو من حيث الاستشراف.

ينطلق هذا المفهوم من أن الحرب التي يخوضها الشعب الفلسطيني من أجل حقّه في أن يكون شعبًا حرًّا في بلده عادلة بالمطلق، ومن أن أي إنسانٍ عاقل، حتى وإنْ لم يبرّر الوسائل المتبعة في خضّم هذه الحرب، سيقول إن هذا الهدف عادل. بيد أنه، في الوقت عينه، يخوض الشعب الفلسطيني حربًا آثمةً كي "لا نحظى بحقنا في أن نكون شعبًا حرًّا في بلدنا. وكي لا نحصل على ما يطالب به لنفسه، أو كي لا نكون هنا أبدا، أو أن نكون مُجرّد رعايا".

وتنسحب المعادلة ذاتها على "شعب إسرائيل في دولة إسرائيل" برأي عوز، فـ"هذا الشعب يخوض حربًا عادلة بالمطلق، تشكل البنية التحتيّة للفكر الصهيوني: أن يكون شعبًا حُرًّا في بلده، وألا يكون عليه أسياد، وألا يكون أقلية، وألا يتعرّض إلى الملاحقة والتمييز والإذلال، غير أنه، في الوقت نفسه، يخوض حربًا في سبيل زيادة غرفتين إلى شقته على حساب الجار (الفلسطيني)".

ليس مبالغة القول إن هذا المفهوم غير مقتصر على عاموس عوز، فقد ترسّخت جذوره في الخطاب السياسي الإسرائيلي من خلال الارتباط بـ"مشروع التسوية السياسية" بين إسرائيل والفلسطينيين المُتجسّد بالأساس في "اتفاق أوسلو" (1993). وما زال كثيرون منّا يذكرون أن هذا المشروع تحديدًا، وقبله وقائع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، تسبّبا، في حينه، بمظاهر مختلفة، في مقدمها نشوب صراع فكريّ بين التيار الصهيوني الواقف وراءه، كما ينعكس ذلك في مواقف حزب العمل وأفكاره وورثته، وبين تيار سياسي يؤكد عدم وجود فروق تذكر بين الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948 وبين تلك التي احتلتها عام 1967.

وعلى خلفية احتمال انسحاب إسرائيل من أراض محتلة في عام 1967، في حال الدفع بمشروع التسوية هذا، ظهرت كتابات فكرية وسياسية حول ما سمّي "الشرعية اليهودية في فلسطين"، ليس في أراضي 1948 فحسب، إنما أيضًا في كل فلسطين التاريخية. في المقابل، تطورت كتاباتٌ تصدّت لذلك، وحاولت أن تدافع عن إسرائيل بوصفها "دولة شرعية" لكن داخل حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 فقط، وبرأي أصحابها حظيت "باعتراف دولي واسع في عام 1949". 

في العمق، تروم هذه الكتابات شرعنة كل ما اقترفته الصهيونية قبل 1967 ليس كحركة استيطان كولونيالية، بل كـ"حركة تهدف إلى أن يكون شعب إسرائيل حرًّا في بلده"، كما يقول عوز، لقاء تحمّلها المسؤولية عما اقترفته في ذلك العام، وما أعقبه من احتلال، وكأن ما كان منقطعٌ عما قبله.

يتجاهل طرح عوز الذي يدّعي، في الظاهر، مساندته حق الشعب الفلسطيني في أن يكون حرًّا في بلده في إطار خطوط 1967، أن دولته على أجهزتها كافة تشكلت بموازاة اتبّاع وسائل لا يمكن تبريرها أيضًا، أفضت إلى تدمير المجتمع الفلسطيني من طريق القتل والتمزيق والسلب والطرد، ومنع عودة المطرودين. لكن ذلك لم يكن كافيًا، على حدّ ما تؤكد الباحثة أريئيلا أزولاي؛ فتوطيد هذه الأجهزة واستقرارها والمحافظة عليها كان مرهونًا أيضًا بتحويل نكبة الفلسطينيين إلى "نكبة من وجهة نظرهم"، أي من دون علاقةٍ بما اقترفته "الدولة" التي أقيمت على أنقاض وطنهم.