عن الثورات العربية والنخب الفلسطينية

عن الثورات العربية والنخب الفلسطينية

عوض عبد الفتاح

من المفترض أن تتيح لنا الملحمتان السودانية والجزائرية المستمرتان بصورة مذهلة، مراجعةً لمواقفنا، كفلسطينيين، إزاء سلوكنا ومواقفنا تجاه ثورات الشعوب العربية، حيث قصّرنا بصورة معيبة، وبالتالي قصّرنا تجاه أنفسنا ووقعنا في حالة انفصام أخلاقي، حتّى أن أغلب النخب تجنبت البحث فيها وفي الخلفية التاريخية لها والدوافع الأخلاقية والإنسانية التي حفّزت انفجارها، وراح أكثرهم يواصل انشغاله بالشّأن الفلسطيني فقط، وكأنّ الهزيمة الفلسطينية لا علاقة بالهزيمة العربية أو ليست نتاجًا لها، وهي هزيمة منبعها التخلف والاستبداد وسحق المجتمعات المدنية وإماتة السياسة.

ولذلك، لا بد من الإشادة بتلك النخب المسؤولة والجدية، التي أنتجت فكرا وبحثا يضع الثورات في إطارها الاجتماعي الاقتصادي والسياسي التاريخي، والنظر إلى دورها باعتباره موقفًا أخلاقيا شجاعا، يعكس التزامًا عاليًا تجاه الأجيال الحالية والمستقبلية لأبناء وبنات الأمّة العربية، بما فيها الفلسطينية بالطبع.

كان ذلك ضروريًا، ولا زال كذلك، لعمليّة توليد إنسان عربي سليم التفكير، وأخلاقي، غير مشوه، ومحصّن في وجه حملات التسطيح والتشويه والابتذال، التي تلتقي مع مخططات الأنظمة والقوى الخارجية لتكريس حالة التخلف والهزيمة العربية.

بهذه القيم والمنطلقات فقط تستطيع الأجيال الشابة الوصول إلى مجتمعاتٍ ناهضة وإنسانٍ حر ودولٍ قوية ووطنٍ موحد.

وعلى مدار ثمانيّة سنوات لم تخرج مظاهرات ولا اجتماعات أو أي شكل من أشكال التضامن الشعبي مع ثوراتهم، في حين كانت جماهير الوطن العربي، في العديد من البلدان، تخرج بألوفها دعمًا ومساندةً لشعبنا في نضاله التحرري ضد الاستعمار الصهيوني.

كان التفاعل العاطفي في بدايات الربيع العربي، داخل الشعب الفلسطيني، كبيرًا وصادقًا، وإنْ لم يترجم إلى حراك شعبي واسع، ولكن عندما امتد إلى سورية، وعندما بطش الطاغية، عبد الفتاح السيسي، بالثورة المصرية، تحول الكثير منا إلى مساندة النظامين في كل من سورية ومصر، وبات الربيع العربي، كلمة تثير السخرية عند الداعمين، وفرح البعض عندما انتصرت الأنظمة على شعوبها، ظانيّن أن الربيع العربي دُفن إلى غير رجعة، وكأن أسباب تفجرها، كالفقر والقمع والقهر والاستبداد تافهة، بالمقارنة مع مهمة "دحر الإمبريالية والصهيونية".

يمكن فهم، وليس تفهّم، تحول أناسٍ عاديين مؤيدين للثورة السورية إلى تأييد النظام، بعد أن انزلقت إلى حرب أهلية وحشية بالوكالة وتدخل خارجي، وبعد أن تساقطت قيادات المعارضة من خلال تحولها إلى أدوات للخارج واستنساخها للنظام، فبات الشعب السوري ضحية النظام وضحية المعارضة التي كان من المفترض أن تقوده إلى التحرر والحريّة؛ ولكنّ السقوط الأخلاقي المدوي للكثيرين، تجلى في تأييد انقلاب السيسي، رغم مواصلة القضاء على الثوار وقتلهم وزجهم في السجون، وتحالفه مع عدو الشعب الفلسطيني، وعدو الأمة العربية، أي إسرائيل. 

وقد هيمنت نظرية المؤامرة على الكثيرين (والمؤامرة كانت دائمًا موجودة)، وصمت آخرون، إذ أن الوحشية وأنهار الدماء والخراب في عموم الأقطار العربيّة صدمت الناس، وبالأخص الشباب العربي مُفجر هذه الثورات، وأمطرتها بالإحباط واليأس، وأقعدتها عن التأمل والتفكير بصورة عقلانية في ما جرى. 

والأمر الصادم هو أنّ القليل من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، فقط الذي شارك زملاءهم العرب وتصدّى لمعاني الثورات العربية وأنتج فكرًا يتناولها بعمق، دون خشية من التصنيف على أحد المعسكرين، المؤيد والمعارض، والوقوع في مستنقع الثنائية القاتلة، أو الاستسلام لحالة التجزئة والإقليمية، التي فصلت القضية الفلسطينية عن البعد العربي.

وبتقديري، فإن غياب هذا الاهتمام ساهم بتغييب التواصل، بين طلائع شعبنا المثقفة، خاصّةً الأجيال الشابة، مع ما تمثله هذه الثورات من قيم ومفاهيم إنسانيّة ونهضوية، مثل الحريّة والتحرّر والديمقراطيّة، والحكم الرشيد، وكذلك تحدي الظلم والاستبداد الذي يُعد المصدر الأساس لتخلف الوطن العربي، واستمرار الاستعمار الصهيوني لفلسطين.

وهذان البعدان في الثورات العربية يشكلان ركيزتين أساسيتين، لا بد للفلسطيني أن يستند إليهما في عملية تحرره؛ فالبعد الأوّل يعني الفلسطيني بالدرجة الأولى، إذ أنه يعيش في ظل نظام فلسطيني فاسد وسلطوي، ولا يخضع للمحاسبة، خاضع للاستعمار الصهيوني ومناهض لفكرة المقاومة، وبالتالي هو يحتاج إلى تغيير هذا النظام أو إصلاحه؛ والبعد الثاني، يتعلق بتحدي الاستعمار، وتجديد الثقة بقدرته على الانتفاض ومواجهته بدل الاستكانة. ويرتبط البعد الثاني بآليات المقاومة والتنظيم والاستمرارية، فقد قدمت الثورات العربية، خاصّة في بداياتها، صورة مذهلة من الانتظام والتنسيق والتواصل والتخطيط والانضباط والقدرة على تحمّل الاعتصامات الممتدة والطويلة، بل تحمّل القمع الدموي الوحشي الذي لم يتصوره عقل. وهذا ما نشاهده في هذه الأيّام مع العودة المدهشة للربيع العربي إلى بلدين عربيين هامين، هما الجزائر والسودان، حيث نزل الشباب والجماهير إلى الشارع، دون أن ينصاعوا لفزاعة المذبحة السورية، أو التهديد بالعشرية السوداء الجزائرية، أو لفزاعة الاٍرهاب، أو للترويج لمؤامرة خارجية. هكذا نرى طلائع الشباب والأطر المختلفة تستلهم تاريخ ثوراتها السابقة والثورات العربية الحديثة، وتقرأها قراءة نقدية وتتعلم منها وتخطّط بعقلانية وبشجاعة، وبإصرار فولاذي على الاستمرار حتى تحقيق التغيير الحقيقي. 

إنه لأمر عظيم ويثلج الصدر أن تتجدد ثورات الإنسان العربي، والأهم أن يستلهم الثوار ثورات بلادهم والبلدان العربية، والتعلم من أخطائها وأن لا تذهب الدماء الغزيرة سدىً.

إنّ الجديد الذي ولدته الثورات العربية هو الثقافة التحررية الحديثة، أي أعمدة وركائز بنيان الدولة العصرية القوية. وهذا ما نحتاجه، أيضًا، نحن الفلسطينيّين، تعلمه والتعمق به: التسلح بالمعرفة العميقة ببنية الاستبداد، ومقومات التغيير النهضوي الداخلي، والتحرر من الهيمنة الخارجية، والإفادة من ذلك في إعادة ربط القضية الفلسطينية، وحالتها الراهنة، بالوطن العربي وحركته التحررية المستمرة، من أجل تشييد طريق واحد لمواصلة وتجديد مسيرة التحرر بمفاهيم العصر وبحسب القيم الإنسانية.