أغدًا ألقاك...

أغدًا ألقاك...

سهيل كيوان

كنت في الثانية عشرة من عمري، وأذكر جيّدا اليوم التالي لحفل أم كلثوم، كيف كانت إذاعات القاهرة وصوت العرب والشرق الأوسط، تعيد بث أغنيتها الجديدة"أغدا ألقاك"، من كلمات الهادي آدم وألحان عبد الوهاب. كان هذا في عام 1969.

في تلك الأيام كان الحلم بقيادة جمال عبد الناصر بوحدة عربية قويا، ولم تستطع نكسة عام 1967 أن تقتله، بل أشعلته من جديد، وكان للقاء القصيدة السودانية مع اللحن المصري تأثير معنوي كبير، فقد تمسك ذلك الجيل بكل بارقة أمل، خصوصًا أولئك الذين كانوا يدركون بأنه لا حل للقضية الفلسطينية بصورة عادلة ما لم يتحدّ العرب ويصبحوا قوة هائلة فيأخذوا مصيرهم بأيديهم، ويهابهم أعداؤهم الإقليميّون والدوليون على حد سواء، ولا تُنتهك حقوقهم حتى من قبل دول عظمى.

بعد نكسة عام 1967، سادت حالة إحباط عامة في كل بلد عربي، ووقعت انقلابات عسكرية في عدة دول عربية، وقد توسّمت الشعوب في بعض الضباط خيرا، فالشعارات كانت كبيرة، والعواطف جياشة، بل إن بعضهم حقق إنجازات جيدة في بداية تسلّمه السلطة، مثل مشروع النهر العظيم الذي أسس له معمر القذافي، إلا أن طول الجلوس على الكرسي يُفسد الحكام، حتى لو افترضنا أن نواياهم طيبة، فهي لا تلبث أن تتعفّن كالمياه الراكدة التي تنتن وتصبح مصدرًا للأمراض الخطيرة. 

مرت عقود وتحوّل الضباط المتحمسون بلا استثناء إلى قمع شعوبهم، وتصارعوا فيما بينهم على السلطة، وانشغلوا في حياكة المؤامرات ضد بعضهم البعض، وذهبت جهودهم وموارد بلادهم لأجل الحفاظ على كراسيهم، حتى افتضحت أمورهم، وفقدت الشعوب صبرها تحت وطأة القمع والفقر. 

بخلاف الانقلابات في العقود الماضية التي انطلقت من الثكنات العسكرية، انطلق الربيع العربي من الشوارع والمقاهي والميادين، ثورات شعبية عزلاء ضاقت ذرعا بالظلم والتخلف والقمع، لكن جرى ما جرى من اختطاف لهذه الثورات، وحدث ما يعرفه الجميع، وما ستكشفه الأيام من مؤامرات لإحباط هذا الربيع وإحراقه. 

بعد إجهاض الثورة السورية واختطاف السيسي للسلطة وما يجري في اليمن وليبيا؛ هناك من توهّم وحاول إيهام الآخرين بأن الربيع العربي انتهى وحسم أمره، وأن الشعوب تعلمت الدرس، وبأنها تفضّل أن تبقى مطأطأة رؤوسها خوفا من الخراب والفوضى، بل وباتت تحن إلى أيام مبارك وبن علي والقذافي .   

إلا أن انتفاضة الشعبين الجزائري والسوداني، جاءت لترد على الثورة المضادة، وعلى هذه المزاعم، وقالت إن الشعوب العربية ثارت كي تنتصر، ورغم محاولات الخداع التي قام ويقوم بها أنصار الأنظمة البائدة سواء في السودان والجزائر فإن الشعوب يقظة وتعلمت الدروس. 

ثورتا الجزائر والسودان ارتقتا بالربيع العربي الجريح، إلى مرحلة أرقى، ووضعتا المنطقة برمّتها على أعتاب ما يمكن تسميته ثورة عربية حديثة، فما يحدث في الجزائر والسودان ستكون له إسقاطاته على جميع دول المنطقة.

لقد تعلمت الشعوب العربية الدرس بثمن باهظ دفعته من دماء أبنائها، والثورات المتجددة لن ترضى بأقل من ديمقراطية حقيقية نظيفة من حكم العسكر ومن أنظمة الطوارئ المزمنة.  

وتواصُل الثورة في السودان واستئناف المظاهرات في الجزائر مؤشرات تؤكد أن هذه الثورات في طريقها لتحقيق الأهداف التي قامت لأجلها، ولكنها تقول أيضا إنه من الممكن جدا أن تنتقل إلى دول عربية أخرى.  

هنالك من زعم ويزعم بأن الديمقراطية منتوج أوروبي لا ينفع للعرب القبليين. هل يظن هؤلاء أن شعب الهند أرقى من العرب؟ في هذه الأيام يتجه أكثر من 900 مليون مواطن هندي إلى صناديق الاقتراع، في انتخابات حرة لانتخاب ممثليهم، فلماذا ينجح هذا في الهند ويفشل عندنا.

تعيش في الهند مئات الإثنيات ولديهم  مئات اللغات واللهجات المحلية، ورغم ذلك فهي ديمقراطية وفيها تبادل للسلطة، وإذا كانت الهند بعيدة عنا فها هم الأتراك قربنا، يمارسون حياة ديمقراطية فيها ربح وخسارة وفيها رئيس ومسؤول سابق ليس في السجن ولا في المقبرة، وفيها معارضة فعالة، تفوز برئاسة العاصمة دون وقوع حرب أهلية، فالصناديق تحسم في كل القضايا المصيرية. 

ثورتا الجزائر والسودان سبب جيد للتفاؤل بأن الشعوب العربية قادرة على استعادة زمام المبادرة، وإذا كانت أغنية "أغدًا القاك" قد أثارت التفاؤل لدى الملايين من العرب فما بالكم بثورات يشترك فيها الملايين.

اقرأ/ي أيضًا | "استر بنتك خلّ الناس تصوم"...

اقرأ/ي أيضًا | إعدامات الشيعة في السعودية      
       

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة