"غيتو" غزة و"كانتونات" الضفة ومعازل الداخل

"غيتو" غزة و"كانتونات" الضفة ومعازل الداخل

سليمان أبو إرشيد

على وقع التصعيد العدواني الأخير ضد غزة، والذي تزامن مع ذكرى الهولوكوست وفق الرزنامة الإسرائيلية، شذّ عن قاعدة صمت الصحافة الإسرائيلية وانحيازها إلى جانب العدوان مقال أو اثنان تجرّآ على كسر "التابو" وتشبيه القطاع المحاصر بمعسكرات التجميع والإبادة التي أقامتها ألمانيا النازية لليهود.

المقال الأول، وهو الأكثر جرأة، كتبه الصحافي في جريدة "هآرتس"، غدعون ليفي، وجاء تحت عنوان "تمرد غيتو غزة"، استغرب فيه حالة الصمت التي تكتنف المجتمع الإسرائيلي على وجود مليوني إنسان محبوسين منذ 12 عاما في قفص كبير خلف الأسلاك الشائكة، وكونها لا تثير في إسرائيل أي ذكريات أو تداعيات تاريخية، مشبهًا غزة بـ"الغيتو"، والصواريخ التي تطلقها بين الحين والآخر بمحاولة تمرد على غرار ما حدث في "غيتو" وارسو في بولندا المحتلة من قبل النازية.

وكما هو معروف، فإنّ الألمان الذين كانوا قد احتلوا بولندا، قاموا في سنة 1940 بتركيز اليهود الذين بلغ عددهم أكثر من ثلاثة ملايين إنسان في عدد من الغيتوات التي أقيمت في عدد من المدن الكبيرة، كان أكبرها "غيتو وارسو" المقام في وسط المدينة، وحُشر فيه 300-400 ألف إنسان على مساحة 3.4 كيلو متر مربع، وأحيط بجدار من الأسلاك الشائكة، ما تسبب بوفاة الآلاف منهم من الجوع والأمراض الناتجة عن الاكتظاظ والظروف المعيشية الصعبة التي سادت داخله. أما التمرّد فكان عبارة عن محاولة يائسة من بعض المقاومين اليهود لمنع الجنود الألمان من إرسال بقية سكان الغيتو إلى معسكر الإبادة طربلينكا أو الموت.

"لا توجد طريقة أخرى لوصف ما يحدث هناك"، يقول ليفي، "ولا يصمد أي ادعاء ضد غزة التي تناضل من أجل حريتها، ومن أجل قضية عادلة وحماس هي من تقود هذا النضال"، وهو لا يفهم كيف أنّ دولة بنيت على ذاكرة "الغيتوات" وأحيتها قبل أيام، يمكن أن تشيح بأنظارها عن "الغيتو" الذي بنته بأيديها على بعد ساعة سفر من مركزها وترفض رؤيته، وهي لا تدرك تدرك أنّ  ما من شيء يمكنه ردع مليوني إنسان عاطلين عن العمل، يائسين، مهانين وبعضهم جائع أو هامد، بسبب غياب العلاج الطبي وكلهم سجناء في "غيتو" غزة.

أما المقال الثّاني، الذي كتبه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق، الجنرال احتياط شلومو غازيت، فيتحدث عن تشابه في الإحساس، مع الكثير من الفوارق، بين الواقع الذي يعيشه المليونا فلسطيني المحاصرون في غزة والواقع الرهيب الذي ساد في معسكرات الإبادة النازية، وهو الواقع الذي دفع بعض اليهود إلى التنظم ومحاولة التمرد والهرب في معسكر طرابيلنكا، ومعسكر سوفيفور أو في معسكر واسو، علما بأنّ قليلين (مع الأسف) نجحوا في الهرب والنجاة من نار الموت. إحساس مشابه، مع الفوارق الكبيرة.

ويشير غازيت إلى أنّ إسرائيل، التي قامت بعملية فك ارتباط مع غزة عام 2005، تركت وراءها مليوني نسمة محصورين ومحاصرين في أكبر معسكر اعتقال عرفه التاريخ الإنساني، هو لا يرتقي إلى درجة معسكر موت وإبادة، فقط بفضل كمية الغذاء والدواء والوقود المضبوطة التي يتم إدخالها إليه بصورة مراقبة.

وإذا كانت غزة هي الموضوع، فهي جزء من القضية فقط لأن سياسة "الغيتو" التي تمارسها إسرائيل أصبحت تمتد على مساحة الوطن الفلسطيني، فهي ذات السياسة المتبعة في الضفة الغربية، بعد أن فصلتها عن غزة، وقطّعت أوصالها وقسّمتها إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج" وحوّلت مدنها إلى كانتونات (غيتوات) محاطة بالحواجز العسكرية، التي تضبط عمليات الدخول والخروج منها وإليها وتمنع تشكيل تواصل جيوسياسي من شانه أن يوفر أساسا لنوع من الاستقلال الوطني.

وفي الداخل الفلسطيني، نجحت إسرائيل، من خلال استعمال سياسة التخطيط، في عزل التجمعات السكنية العربية وإبقائها على هامش المراكز المدينية  الرئيسية وتحويلها إلى معازل (غيتوات) هي عبارة قرى كبيرة مكتظة وفقيرة تشكل تربة مستقبلية للعنف والجريمة والمخدرات، حيث ترى السلطة في مظاهر التمرد على هذا الواقع، من خلال الانتقال للسكن في المدن الكبيرة بمثابة محاولات تسلل واقتحام للحيز المديني الإسرائيلي ( اليهودي).

بهذا المعنى، فإنّ تطبيق إسرائيل لسياسة "الغيتوات"، التي عانى منها اليهود في السابق، هي ليست حكرًا على غزة، بل تمتد إلى كافة التجمعات الفلسطينية في الضفة والجليل والمثلث والنقب، أيضًا.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية