71 عاما على النكبة: من التطهير العرقي إلى الأبرتهايد

71 عاما على النكبة: من التطهير العرقي إلى الأبرتهايد

سليمان أبو إرشيد

في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، ينتقد المؤرخ إيلان بابي، استخدام مصطلح "نكبة" لتوصيف ما جرى في فلسطين عام 1948، ويرى أنه "تعبير مراوغ"، لأنّه يتحدّث عن الكارثة التي حلّت بالفلسطينيين، دون توجيه أصبع الاتهام للجهة المسؤولة عن وقوعها، وإلى السبب الذي يقف من وراء ذلك.

ويعتقد بابي أن "تبنّي مصطلح ‘النكبة‘ جرى لأسباب- مفهومة- كمحاولة لمواجهة الثقل المعنويّ ‘للهولوكوست اليهوديّة‘، لكنّ تجاهُل المتسبب بوقوعها، كما يقول، قد يكون قد ساهم إلى حدٍّ ما في استمرار العالم بإنكار حقيقة أنّ ما جرى في فلسطين عام 1948 وبعدها، هو تطهير عرقي وجريمة ضدّ الإنسانيّة، تمامًا كما فعل النازيّون إبّان الحرب العالميّة الثانية، أو كما فعل الصرب بالمسلمين البوسنييّن في أوائل التسعينيّات من القرن العشرين، ويشير في هذا السياق إلى أنّ هذه الجريمة قد تمّ محوها كلّيًّا من الذاكرة العالميّة، بالرغم من كونها الحدث الأهمّ في تاريخ فلسطين الحديث، إذ أُنكرت بصورة منهجيّة منذ وقوعها، ولا تزال حتّى اليوم غير معترف بها كحقيقة تاريخيّة".

وكما هو معروف، فإن الفلسطينيين والعرب قد تبنوا مصطلح "النكبة" الذي صكه المفكر السوري قسطنطين زريق في كتابه "معنى النكبة"، الذي صدر في آب/ أغسطس من عام 1948، أي بعد ثلاثة أشهر من الإعلان عن قيام دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني، وقبل أن يصل الصراع العسكري في فلسطين إلى مآلاته النهائية، وتتضح، حتى، عمق الكارثة الإنسانية التي حلت بالشعب الفلسطيني.

 وقصد زريق، في حينه، بالنكبة أساسا هزيمة العرب، حيث كتب قائلا: "ليست هزيمة العرب في فلسطين بالنكسة البسيطة، أو بالشر الهين العابر، وإنما هي نكبة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، ومحنة من أشد ما ابتلي به العرب في تاريخهم الطويل، على ما فيه محن ومآسٍ".  

لكن من الواضح أن مفهوم النكبة اكتسب لاحقا في الفكر السياسي الفلسطيني والعربي، بعدا أكثر عمقا وشمولية، وتحول إلى الوعاء اللغوي الحاوي لما تعرض له الفلسطينيين من تقتيل وتهجير وتشريد وتطهير عرقي، وما أصاب بيوتهم وحقولهم وقراهم ومدنهم وبناهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خراب ودمار أقدمت عليه الحركة الصهيونية التي بنت كيانها السياسي على خرائبها.

إلا أن اختيار المصطلح، قد يكون نابعا بالفعل من ميل إنساني للجوء إلى هكذا استعمالات، تعبيرا عن الأحداث المهولة التي يقف الناس عاجزون عن مواجهتها، كما هو حال "الهولوكوست" و"النكبة"، إذ أن استعمال مثل هذه المصطلحات هو بقدر ما يعبر عن القوة "الضاربة" للجهة التي تقف من ورائها، فإنه يعكس بالمقابل حالة اللا حول ولا قوة في مواجهتها، أو كأنها قدر محتوم بالكوارث الطبيعية الكبيرة.

وبالعودة إلى الطبيعة، فإن المفارقة أنه بعد 71 عاما على النكبة فإن النجاح الوحيد الذي حققه العرب والفلسطينيون، في مواجهة تداعياتها وترجماتها على الأرض بعد جولات وصولات قومية ووطنية انتهت بقسطنطين زريق إلى كتابة "معنى النكبة مجددا"، وبصادق جلال العظم لـ"نقد فكر المقاومة" بعد "نقد فكر الهزيمة"، النجاح أو الفعل الوحيد الذي يشكل اليوم تحديا للمشروع الصهيوني في فلسطين، هو فعل الطبيعة الإنسانية ممثلا بالديموغرافيا التي أعادت لفلسطين التاريخية نوعا من توازنها السكاني ووضعت إسرائيل أمام خيارين، إما القيام بجولة جديدة من التطهير العرقي وإما بناء نظام أبرتهايد.

بعد 71 عاما، نجحت إسرائيل خلالها في جميع الجولات الحربية ضد العرب والفلسطينيين، تمكن الفلسطينيون بفضل غريزة البقاء والتكاثر الطبيعية في فرملة ودحر مشاريع الهجرة والاستيطان والتطهير العرقي، وهم يشكلون اليوم قوة عددية وديموغرافية وازنة في وطنهم الممتد من البحر إلى النهر، تجعل من الدولة الواحدة الديمقراطية أو ثنائية القومية مسألة وقت فقط، فالصهيونية التي "تفادت" الأبرتهايد عن طريق التطهير العرقي، تجد نفسها وجها لوجه أمام نظام أبرتهايد.