المبادرات الكثيرة دليل حيويّة... ماذا بعد؟

المبادرات الكثيرة دليل حيويّة... ماذا بعد؟

عوض عبد الفتاح

مع دنو الإعلان عن "صفقة القرن" تتعالى وتتسارع الأصوات والمبادرات الفلسطينية، النخبوية والشعبية، الداعية إلى الوحدة والخروج من الاستكانة إلى دائرة الفعل في مواجهة مخطط التصفية بقيادة دونالد ترامب، المدعوم من أنظمة عربية ساقطة أخلاقيًا ووطنيًا.

وتراهن هذه الأصوات على خطورة المخطط التصفوي غير المسبوق، كحافز لتحقيق هذه الوحدة، وفتح أفقٍ جديد نحو المستقبل، خاصة وأن الجميع، بدون استثناء، يرفض هذه الصفقة والتعاون مع أصحابها.

هي مبادرات وحراكات بدأت منذ سنوات طويلة، وتحديدًا، بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية وإقدام إسرائيل على قمعها بوحشية، مُكرّسةً مشروعها الاستعماري الإحلالي. ولكنها تكاثرت واتسعت في الآونة الأخيرة، سواءً على المستوى الشعبي أو على مستوى النخب غير المنضوية أو غير المحسوبة على الهياكل الرسمية؛ فأصحاب هذه الأصوات والمبادرات أدركوا، قبل الممسكين بدفة القيادة الرسمية، وجهة الأمور، وتحديدًا مسار المشروع الإسرائيلي، المتّجه، بوضوحٍ، نحو تكريس ودسترة الاستعمار الكولونيالي والفصل العنصري في فلسطين. فنادوا، بدايةً، بالوحدة بين طرفي الانقسام، واجتهد بعض منهم في توصيف الحالة، واجترح تصورات نظرية للخروج من الانقسام الكارثي، ولإعادة المشروع الوطني الفلسطيني إلى سكّته الأصلية. وقامت مؤسسات، وملتقيات، وأطر أكاديمية، تخصّصت في ذلك. وبالفعل، تبلورت اتجاهات نقدية واضحة للحالة الفلسطينية، وبرزت طلائع أكاديمية ومثقفة وسياسيّة في هذا الميدان. ولكن في السنوات الأخيرة، أيضًا، أضافت إسرائيل، أكواما من المخططات الاستعمارية في القدس والضفة وداخل الخط الأخضر، وارتكبت جرائم مُروّعة في حروبها ضد قطاع غزة. ليس هذا فحسب، بل إنّ ما يسمى بـ"صفقة القرن" يجري تطبيقها على الأرض، منذ اعتلاء ترامب سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركيّة.

كل ذلك لم يزحزح صخرة الانقسام من مكانها، بل الأنكى أنّه بعد كل محاولة للمصالحة، تزداد الصخرة رسوخًا، وأن المبادرات الوطنية المتواصلة لم تفت في عضد أيٍّ من طرفي الانقسام.

وربما السؤال الذي بات يطرح، في ضوء استعصاء التغيير من داخل طرفي الانقسام، هو كيف تصبح هذه المبادرات الأكاديمية والشعبية ذات جدوى حقيقية، وكيف تؤتي ثمارها في المديين الراهن أو القريب؟ ولماذا هي مبادرات متعددة وغير موحدة؟ وهل في تعدّديّتها ضرر أم فائدة؟

ولنذكر بعضها وأهمها وأحدثها: "المؤتمر الشعبي الفلسطيني"، الذي عقد أوّل جلسة له في إسطنبول، قبل عامين، ويرأسه عضو منظمة التحرير السابق، حامد أبو ستة، وشارك فيه الآلاف.

ومبادرة ملتقى فلسطين، التي ينخرط فيها مئات المثقفين والأكاديميين والناشطين، بهدف المساهمة في صياغة رأي عام فلسطيني، يؤسس لإعادة رسم المشروع الوطني الفلسطيني، باعتباره مشروعًا وطنيًا وديمقراطيًا تحرريًا.

مبادرات الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين، وآخرها "حملة الدولة الواحدة الديمقراطية في فلسطين التاريخية" (بدأت من حيفا) وعمرها عام ونيّف، وكذلك مبادرات قيد التشكل، تحمل رسائل مشابهة، وتسعى إلى المساهمة في النهوض بالحالة الفلسطينية.

 وقد سبقت هذه المبادرات، مبادرات لجان العودة، التي عقدت مؤتمرات دورية في أوروبا، في العقدين الأخيرين، والتي عانت من انقسامات مؤسفة في مرحلة معيّنة، أمّا المبادرة الأكثر تأثيرًا والأقوى صوتًا، فهي حملة المقاطعة التي أطلقتها منظمات المجتمع المدني الفلسطيني عام ٢٠٠٥، والتي تقض مضاجع إسرائيل، نظرًا لتحقيقها نجاحات مبهرة في مواجهة السرديّة الصهيونيّة. ويميز هذه المبادرة أنّ سهام فعلها الثقافي والإعلامي كله موجه نحو العدو المباشر، إسرائيل وسرديتها الاستعمارية.

كما أنّ المبادرات والحراكات الشعبية، والانتفاضات المحدودة والهامة، في القدس بشكل خاص، ومسيرات العودة في قطاع غزة، تَصبُّ في السيرورة المتشكلة في الفضاء الفلسطيني غير الرسمي، باتجاه استعادة مشروع المواجهة التحرري ضد المشروع الكولونيالي الصهيوني. كما أن المقاومة الجسورة التي تبديها حركات المقاومة في غزة، ضد كل عدوان تشنه إسرائيل، تموضعٌ ضمن هذه السيرورة.

ليس مُضّرًا توسع تعددية هذه المبادرات، بل بالعكس هي ذات فائدة كبرى، ولها أثرٌ إستراتيجيّ تراكمي في مسيرة استعادة المشروع الوطني التحرري. إنّ هذا الحراك الهام يعكس حيوية ودينامية هذا الشعب، وعنادًا في مواجهة مخطط إزاحة شعب فلسطين من المشهد، بل من الفضاء الجغرافي، ليس فقط من خلال الاستعانة بوجوده الفيزيائي في وطنه، ورفض النزوح، بل، أيضًا، من خلال الاستعانة بما يختزنه من إرث متراكم من الكفاح والتضحية على مدار أكثر من مائة عام. شعبنا ليس ضحية مستكينة، بل طرفٌ فاعلٌ، يتجلى في المقاومة الفعلية والثقافية والفنية، المستمرة والمتجددة.

قد تُدغدغنا عواطفنا، تحت ثقل المرحلة، أو أحلامٌ بحدوث معجزة تَحقُّق مصالحة وطنية تحضيرًا لمواجهة إعلان "صفقة القرن"، وتحرير الحركة الوطنية الفلسطينية من عقال أوسلو وإرثه الأسود. ولكن الواقع غير ذلك، للأسف. ولذلك تصبح المسؤوليّة التاريخية الملقاة على أصحاب هذه المبادرات مضاعفة، بل ذات حاجة وجودية.

وإذا كانت المبادرات الوطنية المتراكمة تنطلق أساسا من قراءة الواقع، ومن الوعي بالمهمة التاريخية الراهنة، فلا بد من البدء بتوجيه السؤال إلى أنفسنا، إلى كل من يرى الأمور من زاوية المستقبل، وهو سؤال يتّصل بكيفية تحويل هذه المبادرات إلى فعل موحد، فاعل ومؤثر، ولاعب حقيقي على الساحة الفلسطينية، يؤدي إلى فتح أفق حقيقي أمام الناس.

ما معناه، ربما نحتاج إلى مؤتمر فلسطيني، لجميع هذه المبادرات، ليس بديلا عن المؤسسة التمثيلية الفلسطينية العليا التي جمعتنا لعقود، ألا وهي منظمة التحرير الفلسطينية، التي يجب أن تتحرر من الاعتقال، وتعود إلى دورها الطبيعي، بل كمساهم وفاعل في تحطيم الصخرة ولملمة الكل حول مشروع التحرر.