"الاقتصاد مقابل الأمن"... "الرخاء من أجل السلام"

"الاقتصاد مقابل الأمن"... "الرخاء من أجل السلام"

رامي منصور

استبق مبعوث الرئيس الأميركي إلى المنطقة، جيسون غرينبلات، الأحد، إعلان المرحلة الأولى من ما يسمى "صفقة القرن"، بمهاجمة القيادة الفلسطينية في رام الله، عبر صحيفة "يسرائيل هيوم"، بزعم أنها مسؤولة عن تدهور أوضاعها الاقتصادية، وأنها تفضل تحويل مخصصات لعائلات الأسرى والشهداء بدلا من تمويل المستشفيات في القدس "الشرقية".

وهذا الهجوم ليس مفاجئًا، فهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها غرينبلات الفلسطينيين من جهة، ومن جهة ثانية يبدو كمن يهتم بالأوضاع الاقتصادية والحياتية لهم. لكن المهم في الأمر، أن تصريحات غرينبلات تعكس كيفية تعامل الإدارة الأميركية مع الشعب الفلسطيني، وهي أن قضاياهم ليست حقوقا قومية واحتلالا واستيطانا، بل قضايا حياتية واقتصادية تحل عبر خطوات إجرائية من شأنها أن تحسن من رفاهية الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وتحسين الرفاهية سيقود حتمًا، بنظرهم، إلى استباب أمن إسرائيل والمستوطنين في الضفة الغربية.

وللمفارقة، فإن هذه الرؤية التي ترى في الفلسطيني كائنا بدائيا همه المأكل والمشرب يجب ترويضه لمنع انفجاره بوجه إسرائيل، تتفق مع السياسات النيوليبرالية التي اتبعتها السلطة الفلسطينية في العقدين الأخيرين، من خلال رفع المستوى المعيشي لسكان الضفة، وتحديدا المدن، مثل رام الله، من خلال سياسات إقراض وتمويل بنكية للمواطنين، بحيث أصبح همّ المواطن تسديد مستحقات البنوك بدلا من النضال من أجل استحقاقاته الوطنية. وقد رافق ذلك، أيضًا، فتح الاحتلال للمعابر، يوميًا، أمام عشرات آلاف العمّال من الضفة الغربية للعمل في البلدات الإسرائيلية، وما يترتب عليه من عوائد مالية جيدة نسبيا لعشرات آلاف الأسر الفلسطينية.

وقد نجحت سياسة السلطة الفلسطينية والاحتلال هذه، في الحدّ من التوتر الأمني في الضفة نتيجة الممارسات الإسرائيلية اليومية، لدرجة أن وزير التربية الإسرائيلي، نفتالي بينيت، قدّم "خطة مارشال" قبل أعوام قليلة، تقضي بإتاحة حرية التنقل والدخول إلى إسرائيل من أجل العمل. وفي مقابل ذلك، اقترح بينيت ضم مناطق "ج" إلى إسرائيل، ومنح الفلسطينيين فيها مواطنة إسرائيلية، وحكما ذاتيا للفلسطينيين في المناطق "أ" و"ب"، يتولى قضايا المياه وشبكة الصرف الصحي والكهرباء والبنى التحتية، بحيث يبقى الاحتلال المسؤول الأمني عن هذه المناطق، أو فرض "السيادة الوظيفية" الأردنية على هذه المناطق، إذا قبل الفلسطينيون بذلك.

وفي الواقع، تحوّل مشروع الدولة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو، من "الأرض مقابل السلام" إلى "الاقتصاد مقابل الأمن"، وهي صيغة فرضها الاحتلال وتساوقت معها القيادة الفلسطينية في رام الله، ويبدو أن الإدارة الأميركية الحالية تبنتها، بعدما تبيّن لها أنها فعّالة على أرض الواقع. لكن الأمر لن يقتصر في "صفقة القرن" على مبادرات اقتصادية، فقد سبقتها خطوات سياسية لفرض الأمر الواقع، أبرزها الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأميركية إليها، ووقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، وينضاف إلى ما سبق ما تناقلته وسائل إعلام إسرائيلية قبل أسبوعين، بأن الإدارة الأميركية لن تعارض الإبقاء على كافة المستوطنات في الضفة وفرض القانون الإسرائيلي على مناطق "ج".

ما الذي بوسع القيادة الفلسطينية في رام الله أن تفعله لمواجهة ذلك؟ أولا رفض المشاركة في مؤتمر المنامة الاقتصادي، الذي أعلن عنه، الأحد، البيت الأبيض، لأن سياسة الاستدراج الأميركية – الإسرائيلية التي اتبعت منذ أوسلو هي التي أوصلت القضية الفلسطينية إلى وضعها الحالي.

وثانيا، لن يكون بمقدور السلطة الفلسطينية مواجهة صفقة ترامب لوحدها، خصوصًا أن الأنظمة العربية المطبّعة مع إسرائيل مؤيدة وراعية لها، لذا لا بد من إسناد شعبي لموقف السلطة الرافض للصفقة، إذ إن الشعب الفلسطيني لن يقبل، بكل تأكيد، صفقات مالية للتنازل عن حقوقه الوطنية والقومية. لكن هذا لا يكفي، إذ بمقدور السلطة في رام الله الرد على "صفقات تجارية" بصفعات اقتصادية، إذ أظهرت مقالة/ دراسة نشرها المدير الأكاديمي لمركز "أدفا"، د. شلومو سافيرسكي، أن التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل ساهم في انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي بما لا يقل عن دور بنك إسرائيل أو الحكومة الإسرائيلية، وهذا لا يعني بالضرورة تفجير الأوضاع الأمنية، ولكنه يعني أن بمقدور سلطة رام الله التأثير على مجرى الاقتصاد الإسرائيلي؛ أولًا من خلال مراجعة التنسيق الأمني، وثانيا من خلال بدء فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي الذي يزود الضفة بالمنتجات الأساسية، التي يمكن الاستغناء عنها بإيجاد بدائل محلية وعربية، وهذا من شأنه أن ينعكس على الاقتصاد الإسرائيلي ويحرر اقتصاد الضفة من الارتهان الكامل لهذا الاقتصاد.

وبما أن القضية ليس قضية اقتصادية بحتة، ولكنها سياسية بالدرجة الأولى، فلا بد أن يكون الجواب سياسيا، وذلك أمر متاح ليس فقط برفض الصفقة، بل بالتشديد أولا على مطالب أساسية، وهي وقف الاستيطان الفوري في كل أنحاء الضفة الغربية وكذلك عمليات التهجير اليومية، وإنهاء الحصار على قطاع غزة.

يجري تطبيق الجزء السياسي من صفقة ترامب على أرض الواقع، من دون علاقة للموقف الفلسطيني؛ أما الجزء الاقتصادي، وهو في الحقيقة المرحلة الثانية وليس الأولى كما يعلن البيت الأبيض، فلن يتم من دون موافقة فلسطينية، لأنه، وللمفارقة، لا يتجاوز دور قيادة رام الله الحقيقي على أرض الواقع إدارة الأمور الحياتية والاقتصادية في مناطقها، أي أن هذه هي سلطتها الفعلية، وبمقدورها الآن ممارستها لأنها فاقدة للسلطة السياسية أو السيادة. فمعادلة "الاقتصاد من أجل الأمن"، التي تحولت في بيان البيت الأبيض، أمس، إلى "الرخاء من أجل السلام"، حققت بعض الرخاء لفلسطينيي الضفة والكثير من الأمن للمستوطنين، لكنها تعد بتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية. وإذا كانت حدود قوة السلطة لا تتجاوز الأمور الاقتصادية والحياتية، فإن منظمة التحرير يجب أن تعود لتكون المرجعية السياسية والوطنية للفلسطينيين، ولكن ليس بشكلها الحالي، الذي لا يميز بين سلطة ومنظمة.

إذا أرادت أميركا وإسرائيل تغيير "مرجعية عملية السلام" من "الشرعية الدولية" إلى الوعود المالية، فإن مرجعية الفلسطينيين يجب أن تتغير، بحيث تعود منظمة التحرير والوحدة الوطنية والنضال الشعبي هي المرجعية.