في الذكرى المائة للفاشية

في الذكرى المائة للفاشية

أنطوان شلحت

مرّت يوم 23 آذار/ مارس الفائت الذكرى السنوية المائة للاجتماع الذي عقد في ميلانو في إيطاليا في عام 1919، وأصبحت فيه الفاشية حركةً سياسيةً مُنظمة، سرعان ما أوصلت زعيمها بنيتو موسوليني إلى سدّة الحكم.

ووفقاً لروبرت باكستون، في كتابه "تشريح الفاشية" (2005)، لم يكن نجاح موسوليني في التربّع على عرش السلطة في إيطاليا مرهونا ببرنامج سياسي مُنمّق، ولا حتى بوعودٍ ورديّةٍ قطعها على نفسه للجمهور الذي انتخبه. وهو يشير بهذا الصدد إلى أن موسوليني قال يوما: "يسألونني ما هو برنامجكم؟ برنامجنا بسيط للغاية؛ نرغب أن نحكم إيطاليا". 

وللعلم: استذكر باكستون أقوال موسوليني هذه في مقابلة أدلى بها إلى صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في خريف 2009، فور صدور ترجمة عبرية لكتابه بالتزامن مع عودة بنيامين نتنياهو إلى كرسي رئيس الحكومة الإسرائيلية. واستطرد: "ما زلت أومن أن الحركات التي تعيد التذكير بجوهر الفاشية يمكن أن تظهر في أماكن يخشى فيها السكان من أن الديمقراطية لا تنطوي على عناصر كافية، بوسعها حمايتهم وضمان أمن دولتهم في مواجهة تهديدات إرهابية، أو أفول وطني، أو أزمة اقتصادية حادّة".

وأشارت الصحيفة الإسرائيلية في المقام نفسه إلى أن باكستون الذي وصفته بأنه "من كبار الباحثين في موضوع الفاشية" تطرّق، في كتابه، إلى إسرائيل واحتمال خضوعها إلى نظام حكم فاشي يُقدم على تكبيل الجهاز القضائي، وسلطات تطبيق القانون تحت وطأة تصاعد النزعات اليمينية والقومية المتطرّفة فيها، لكنه، في الوقت نفسه، سوّغ تلك النزعات بأنها تأتي في إطار "ردات الفعل على الانتفاضتين الفلسطينيتين". ورأى كذلك أن التوجّه العام المرتبط باحترام حقوق الإنسان وهن كثيراً، لسببين: التشدّد في المواقف السياسية في مقابل ما سمّاه "التعنّت الفلسطيني" وانتقال مركز الثقل بين السكان الإسرائيليين من اليهود المهاجرين من أوروبا إلى اليهود المهاجرين من شمال أفريقيا وأماكن أخرى في الشرق الأدنى، وهم الذين "لا يبالون بالتراث الديمقراطي"، برأيه، ورجّح أن يكون نموذج الفاشية المحتمل أن ينشأ في إسرائيل هو نموذج الفاشية الدينية.

أكثر ما يستوقفنا في العرض أعلاه عبارة موسوليني بشأن برنامج الحركة الفاشية وفحواها: "نرغب بأن نحكم"! فهي العبارة نفسها التي تتكرّر كاللازمة مثلاً في كتابٍ أصدره إيرز تدمور، أحد مستشاري نتنياهو، ومن أبرز مؤسسي الحركة اليمينية المُحافظة الجديدة "إم ترتسو" ("إذا أردتم") وقادتها، قبل عامين، بعنوان "لماذا تصوّت لليمين وتحصل على اليسار!". ويحاجج فيه بالأساس أنه على الرغم من مرور أربعين عاماً على تسلّم حزب الليكود اليميني مقاليد السلطة في إسرائيل، إثر ما عُرف باسم "انقلاب 1977"، فإنه واصل الحكم من خلال نُخبٍ قديمةٍ كانت في معظمها موالية لـ"الحركة الصهيونية العمالية" بزعامة حزب مباي التاريخي.

ويؤكد أنه فقط في الأعوام الأخيرة، وتحديداً منذ عام 2009، بدأ اليمين الإسرائيلي في استبعاد هذه النُخب وتغييرها، كي ينفّذ رغبته بالحكم، ويتحقّق الانقلاب الحقيقي في المستقبل المنظور. وبموجب رؤيته، ثمة فارق كبير بين أن تكون في الحكم وأن تتولاه من ناحية فعلية، هو الفارق نفسه بين الثور الذي يحرث الأرض والفلاح الذي يمسك بلجام الثور. وحتى ذلك العام، من وجهة نظر المعسكر المُعارض لليمين، لم تكن ثمّة أي مشكلة مبدئية في أن يشغل عضو أو مؤيد لحزب الليكود منصب رئيس حكومة أو وزير، طالما بقي يحرث كالثور في أرض الأجندة التي ترسمها المعارضة. 

واضح أن الحديث هنا يدور حول اليمين والمعارضة له، من جهة، وحول السيطرة على الحُكم في نطاق توازن القوى الداخلي في إسرائيل، من جهة أخرى. وفي ما يخص الحقوق العامّة لا بُدّ من القول إن المفهوم الإطلاقيّ إن لليهود، لمجرّد كونهم يهوداً، حقوقاً لا يكتسبها الآخرون/ الأغيار هو محصلة مباشرة للفكر الصهيوني الذي ما يزال يشكّل القاسم المشترك، سواء لليمين أو لمعارضيه في إسرائيل.

(العربي الجديد)

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية