الإسرائيلي والحرب القادمة

الإسرائيلي والحرب القادمة

أنطوان شلحت

حلّ في آب/ أغسطس المقبل الذكرى السنوية العشرون لوفاة المسرحي الإسرائيلي الأشهر حانوخ ليفين (1942 - 1999)، والذي ما انفك يشغل حيّزاً خاصاً في مشهد الثقافة العبرية ـ بفضل أعماله الساخرة الاحتجاجية منذ بواكيرها. 

وعلى الرغم من مرور عقدين على وفاته، ما زال في الإمكان تلمّس البصمات الباقية لإبداعه المسرحي، وخصوصا أعماله الاحتجاجية الساخرة، نظراً إلى أنه، في جميع كتاباته، شخّص مجتمع دولة الاحتلال، ووصفه في تفاصيله الدقيقة، على ما احتوته تلك التفاصيل من فظاظة وانغلاق وعنف عام وخاص، ومن جور ونهم وانعدام تسامح وتوحّش لا يقف عند حدود.

كما أنه كتب عن أشخاصٍ يستمرئون الاستعلاء، ويتلذّذون بإلحاق الأذى، لكون جبلتهم متشكلة من هذه الطينة، ويعشقون تضليل محاوريهم ومساومتهم من أجل المساومة. وربما الأهم من ذلك كله أنه أماط اللثام عن العوامل الأشد حِطّةً وراء هذه النوازع البشرية في مواصفاتها الإسرائيلية، من زاويةٍ شديدة الخصوصية، هي عدم مراعاة إضفاء سمة التعقل والتريث، المشتهاة لدى الشعوب الطبيعية، على الشخوص والمشاهدين عموماً. وهكذا تتبدّى شخوص ليفين، وفي خاتمة المطاف شخوص المجتمع الذي شاهدها، بوصفها شخصياتٍ عديمة الحياء، متبجّحة، بل ومتطوّسة بتلوّنها وريائها، بمتناقضاتها ونقائصها.

يقول دارسو ليفين، في شبه إجماع، إن المرء يكاد لا يعثر على وضعية في حياة إسرائيل، حتى بعد وفاته، على المستويات، البشري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره، يستحيل استعارتها من خلال جملةٍ مقبوسة عنه، في هذا العمل أو ذاك.

ابتكر ليفين، منذ أعماله الأولى، "أنتِ، أنا والحرب القادمة" و"كتشاب" و"ملكة الحمّام"، أداة فنيّة للنقد السياسيّ الحادّ. ويتمثل جوهر هذا النقد في تعرية الخداع الذاتيّ لدى مجتمع دولة الاحتلال. وعندما كتبت هذه الأعمال الساخرة بالذات، إثر حرب حزيران/ يونيو 1967، كانت كذبة "اللاخيار" واحدةً من المصادر الرئيسية لخداع الذات في هذا المجتمع، ولذا وجّه إليها الكثير من سهام نقده.

وكانت وضعية الموت تحت وطأة الحروب وعسكرة الحياة المدنيّة، ذات "الماركة الإسرائيلية المسجلة"، بمثابة ثيمة مركزية في أعماله الاحتجاجية، عبّر عنها منذ مسرحيته "أنتِ، أنا والحرب القادمة" بقوله: "دائماً، طوال كل السنوات، كنّا ثلاثة/ أنت، أنا والحرب القادمة/ وعندما تأتي الحرب القادمة/ ستظلون ثلاثة/ أنتِ وصورتي والحرب القادمة".

تعرّض ليفين لسوط الرقابة الإسرائيلية، فأسقطت مسرحيته "ملكة الحمّام" عن الخشبة بعد عروض قليلة. كما كانت مسرحيته "الوطنيّ" هدفاً لهجوم الرقابة في ثمانينيات القرن الفائت. 
من المسرحية الأخيرة نقدّم هذه الترجمة الحصرية لمقطعٍ يلتقي فيه بطلها، الوطنيّ، بمجموعة مستوطنين، شغلها الشاغل اصطياد حيوات العرب، وذلك من خلال اللعب بكلمات إحدى الفقرات الواردة في أحد إصحاحات سفر إشعياء من التناخ (الكتاب المقدس اليهودي)، والتي يخاطب فيها الربّ عبده يعقوب بعبارة "لا تخف" وحوّلها النص إلى عبارة "لا تطلق النار": 
قبل عودته إلى البيت التقى وطنيّنا مجموعة مستوطنين ودودة، فحكوا له عن حياتهم الروتينية في المكان. 
[المستوطنون ينشدون] 

مستوطنون: يوم الأحد كان يوماً روتينياً،/عربيّ مُسنّ تعرّض لإطلاق النار في الشارع،/ "لا تطلق النار، يا عبدي يعقوب!"، صاح،/ وأخونا يعقوب أطلق النار.

يوم الاثنين، مرة أخرى لم يحدث شيء ذو بال،/ ولدٌ عربيٌّ تعرّض لإطلاق النار في الشارع،/ "لا تطلق النار، يا عبدي يعقوب!"، صاح،/ وأخونا يعقوب أطلق النار.

يوم الثلاثاء شهد مرتين، كون ذلك جيّداً،/ عربيّان تعرّضا لإطلاق النار في الشارع،/ يوم الأربعاء ملل كبير،/ في الشارع تعرّض مسنّ عربيّ لإطلاق النار،/ يوم الخميس مرة أخرى كان يوماً روتينياً،/ عربيّ واحد في الشارع تعرّض لإطلاق النار،/ يوم الجمعة القصير، عشية يوم السبت،/ لم يتعرّض أي عربيّ لإطلاق النار، فقط عربيّة واحدة،/ صاحوا: "يا عبدي يعقوب، لا تطلق النار"!/ وأخونا يعقوب أطلق النار.

وفي اليوم السابع سبت واستراحة،/ ما من بنادق، ما من رصاص، ما من نار،/ "لا تطلق النار"، يصيحون، "يا عبدي يعقوب"!/ وأخونا يكتفي بلكمة. 
سبت سعيد، أسبوع طيّب..