"الحق" في الضمّ!

"الحق" في الضمّ!

أنطوان شلحت

استبعد اللواء في الاحتياط، عاموس جلعاد، في إحدى المقابلات التي أدلى بها بموازاة انعقاد مؤتمر هيرتسليا حول المناعة والأمن القومي في إسرائيل، والذي يقف على رأسه، أن تكون تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، بشأن حق دولة الاحتلال في أن تضم أراضيَ من الضفة الغربية (نيويورك تايمز، 8 /6 /2019)، صدرت عن زلّة لسان، مشيراً إلى أنه ربما يكشف بهذا النيّة الحقيقية لحكومة اليمين، برئاسة بنيامين نتنياهو.

وما يعنيه جلعاد، بخصوص تلك النيّة الحقيقية، غير مرتبط قطّ بمزيد من مشاريع الاستيطان الإسرائيلية المتغوّلة في الأراضي المحتلة منذ 1967، إنما بتسويغٍ فحواه أن هذه المشاريع تأتي لممارسة إسرائيل حقا لها، قد يكون تاريخياً أو دينياً، فكل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضالعة في مشروع الاستيطان، وهذا غير مقتصر على الحكومات اليمينية. ومع مراعاة التحفظ من التقسيم المعهود بين يمين ويسار في كينونة إسرائيل، لا بُدّ من رؤية أن حكومات "اليسار" لم تكن أقل غلواءً في هذا الشأن. وإذا ما أخذنا مسار أوسلو نقطة زمنية للتقدير، تجدر بنا استعادة حكم قيمة يقول إن جميع خروق إسرائيل لما تضمنه اتفاق أوسلو من التزاماتٍ تكاد تتقزّم حيال سلوكها في قضية الاستيطان، والذي تمثّلت غايته الرئيسية، ولا تزال، في إيجاد ظروف ووقائع ميدانية تحول دون تقسيم البلد، ودون قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل إقليمي. وفقط خلال الأعوام الثمانية الأولى من عملية أوسلو، زاد عدد المستوطنين في أراضي 1967 بنحو 80 بالمئة، فيما تشكل الزيادة الطبيعية نسبة ضئيلة من هذه الزيادة.

ولكن لا يمكن التغاضي الآن عن أن ثمّة صراعاً على "البرنامج السياسي" لهذا الاستيطان، بين وسط آخذ بالتمأسس (يعبر عنه حاليا الحزب المناوب "أزرق أبيض") وبين أحزاب اليمين المتطرف، رافعة لواء "أرض إسرائيل الكاملة"، وشهد نقطة حاسمة على خلفية ما أسميت "خطة الانفصال" أحادية الجانب عن قطاع غزة التي نُفذّت عام 2005. وقد سبق أن أجمل هذا الصراع وزير السياحة الإسرائيلي السابق، وأحد أقطاب اليمين المتطرف، بيني ألون، بقوله إنه صراع بين أصحاب "النزعة الأمنية" التي رأى أن أرييل شارون تزعمها إبّان تلك الخطة، وأصحاب "النزعة العقائدية"، من دون أن يعني ذلك، في العمق، إسقاط الصبغة العقائدية الصهيونية عن أصحاب النزعة الأولى. وقد يشهد هذا الصراع تصعيداً ما، في منعطف مقبل، غير أنه من غير المتوقع أن ينطوي على أمور تحمل تناقضاتٍ تهدّد مواقف الإجماع في القضايا الرئيسية.

ولا تنعدم في تاريخ دولة الاحتلال بعض السوابق التي تفيد قراءتها الآن في تحصيل ما يحدث في الحاضر. منها أنه في أوج المعركة الضارية ضد الانسحاب من شبه جزيرة سيناء، في 1981-1982، نشر الحاخام إيلي سدان، أحد منظري الصهيونية الدينية، مقالاً تحت عنوان "لنؤسّس من جديد الدولة اليهودية". وأعرب فيه عن رفضه فهم وصفه بأنه صهيوني تقليدي، موضحاً أن هذا الفهم يرى في "أرض إسرائيل" ملجأ أمنياً فقط، ولا يرى فيها "فريضة أو هدفاً دينياً".

وقبل سدان كتب منظّر آخر من التيار نفسه في صحيفة المستوطنين "نكوداه" (نقطة) أن تعاون الصهيونية الدينية مع الصهيونية العلمانية استمر طالما تبنت الصهيونية العلمانية بصورة واضحة فكرة الوطنية اليهودية. وعندما لاح أن إسرائيل قد تُمسي دولة علمانية ديمقراطية، لا يوجد لليهودية مكان في سياستها، اعتبرت الصهيونية الدينية أن ذلك يشكل خيانة لجذور الحياة اليهودية، حتى وإن كان مثل هذا المسار صنيعة من يتحدّثون العبرية.

ثمّة مبالغة في الطرح السالف، وفي اتهام أصحاب "النزعة الأمنية" (إذا ما اقترضنا مصطلحات المتساجلين) بخيانة جذور الحياة اليهودية، وهي مبالغةٌ لا تضبّب حقيقة أن النقاش يدور حول نطاق الاستيطان وضرورته، لغاية تثبيت يهودية دولة الاحتلال، لا حول جوهره ومكانته في الجسد المتكامل للمشروع الصهيوني الذي كان الاستيطان وقوده الرئيسي، أولاً ودائما.