لا بئر للأسرار...

لا بئر للأسرار...

سهيل كيوان

فوجئت قبل أيام خلال عملي على جهاز الكمبيوتر الأرضي الذي أكتب على شاشته وأبحث من خلاله في الشبكة العنكبوتية عن شتى المواضيع، يسألني وبراءة "الإيموشين" في عينيه: "هل تريد تسجيلا بالأماكن التي زرتها؟". فوجئت من السؤال، تردّدت وقد شككت أن يكون فيروسا مخربا متسللا، ولكنني لم أستطع مقاومة الإغراء فقررت فحص الأمر وعملت "كليك" أي نعم، حينئذ ظهر رسم بياني أفقي طويل بأسماء الأماكن التي زرتها منذ حوالي ثلاثة أعوام حتى اليوم مع اسم كل مقهى أو شاطئ أو مؤسسة مثل مدرسة أو مركز جماهيري أو فندق وقاعة مطار وفندق أقمت فيه في تركيا مثلا، وهذا شمل المسافة الزمنية التي استغرقها تنقلي بين مكان ومكان والطريق الذي سلكته بالضبط.

الحقيقة أنني ذهلت، فالكمبيوتر الذي أتحدث عنه ثابت في غرفتي التي أستعملها كمكتب عمل وهو غير متصل سلكيا بأي هاتف، ولكنه متصل لا سلكيا في شبكة Wi-FI، إذن كيف انتقلت كل هذه المعلومات إلى الحاسوب المكتبي؟

بلا شك عن طريق هاتفي الشخصي، لكن كيف والهاتف غير متصل بالحاسوب أو يُفترض أنه كذلك؟

يبدو أن حساب الفيسبوك والواتس والبريد الإلكتروني هو الذي ينقل البيانات إلى الحاسوب، فإذا كنت في مكان ما وشغلت أي واحد من هذه التطبيقات انتقلت على الفور المعلومات إلى المواقع والتطبيقات الأخرى مثل الواتس والفيسبوك ومنها إلى تطبيقات أخرى كثيرة في الحاسوب.

هذا يعني ببساطة أنك موثّق في كل تحركاتك والأمكنة التي تزورها في الساعة والدقيقة والطرق التي سلكتها. حتى أنه ذكرني بطريق مررت فيه بين كروم الزيتون اختصارًا بين إكسال ودبّورية.

عادة ما تلقي الشرطة القبض على كمبيوترات المشبوهين بأعمال جنائية أو أمنية، ومن خلال أجهزتهم يستطيعون التعرف على الأشخاص الذين اتصل المشبوهون بهم، والمواقع التي دخلوها مثل المراكز التجارية، وأنواع المواضيع التي بحثوا عنها في حواسيبهم، والأمكنة والوقت الذي استغرقه، كذلك إذا ما توقف في محطة وقود مثلا للاستراحة أو لاقتناء الوقود خصوصًا إذا استعملوا البطاقة والناس الذين تحدثوا معهم من خلال الهاتف أو من خلال رسالة شخصية على الواتس أو الفيس أو البريد الإلكتروني.

الملاحقة تنطبق على التسجيلات الصوتية التي التقطها هاتفك، فهي تُسجّلُ حتى إذا محوتها من هاتفك، وقد ظهرت لي على الشاشة صور ووثائق كنت قد صورتها في هاتف فقدته على شاطئ البحر في الصيف الماضي، كل الصور والبيانات التي استخدمتها فيه موجودة قبل اختفائه.

أذكر مرة أنني أجريت محادثة هاتفية مع شخصية سياسية، وفوجئت بصدى صوتينا يتردد مترجمًا من العربية إلى العبرية في اللحظة ذاتها التي كنت أنطق فيها الكلمة فتترجم على الفور، أي أن الرجل السياسي كان مراقبًا وقد أخبرته في حينه بالأمر.

قالت لي صديقة إنها قامت بتجربة بأن فتحت الهاتف على شبكة الفيسبوك، لم تكتب شيئا، فقط تحدثت صوتيًا باللغة العبرية عن موضوع ما؟ لم تمض دقائق حتى صارت تظهر في صفحتها على الفيسبوك دعايات وعناوين وأرقام هاتف للموضوع الذي تحدّثت فيه، الأمر الذي يعني أن هناك برمجات تنقل صوتك، ومن ثم يستفاد منها إعلانيا إضافة إلى التجسس عليك إذا احتاج الأمر ذلك.     

الغريب أن تطبيق "المكان" في هاتفي مغلق دائمًا بشكل مقصود، وذلك لأنني لا أريد أن أكون موثّقا في هاتفي في كل مكان أزوره، ولا أفتحه إلا حين احتاج استخدام دليل (WAZE)، وقد ظننت طيلة الوقت بأن عدم تشغيل تطبيق المكان يعني أنني محصّن على الأقل بالنسبة لتنقلاتي المكانية، ولكن يبدو أن الأمر ليس كذلك، فتشغيل أي واحد من التطبيقات مثل الفيسبوك أو البريد أو الواتس يكفي لنقل معلومات عن تحركاتك.

قبل أسابيع أعلنت السلطات عن إلقاء القبض على بضعة شبان من العرب، وصفتهم بأنهم خلية عملت بالتجسس لصالح إيران، وقد ألقي القبض على هؤلاء الشبان بعدما تبادلوا الكلام مع أناس مجهولين على الفيسبوك، طلبوا منهم معلومات عن مواقع عسكرية واقتصادية.

واضح أنه عمل طفولي، وأن هناك من يقصد الإيقاع بشبابنا.

على كل شبابنا أن يفهموا وللمرة المليون، أن الهاتف والحاسوب جاسوس عليهم في تحركاتهم وكلماتهم حتى وهو مغلق، وأنه ينقل كل ما يكتب سواء على الخاص أو العام، كذلك فإنه يسجل ما تتحدثون به.

إضافة إلى هذا، فكل من يفتح معك أحدكم سيرة الأمن على الخاص فما عليكم سوى عمل "بلوك" لحسابه على الفور، لأن مجرد استدعائك للتحقيق سيكلفك محامي دفاع إضافة إلى دخول اسمك في لائحة سوداء، واستغلال حدث مراهقة بريء من قبل جهاز الأمن والإعلام السلطوي على حساب سذاجة بعض شبابنا.

إضافة لما ذكر فهذا يطرح سؤالا كبيرًا حول تقصير الشرطة في كشف جرائم القتل في المجتمع العربي، فمن الواضح أنها إذا اجتهدت قليلا لكان بإمكانها كشف كل الجرائم أو معظمها على الأقل، خصوصًا مع وجود كاميرات في كل شارع ومدخل إلى حي إضافة إلى الهواتف والحواسيب المراقبة.              

لقد انتهت الخصوصية التي كنا نتمتع بها في يوم من الأيام، لم تعد هناك أسرار، صار كل شيء مكشوفًا، ومن يظن بأنه محمي أو أنه في نظام يحترم الخصوصيات فلينس الموضوع وليذوّت حقيقة أنه لا توجد بئر للأسرار.