رسالة مفتوحة إلى الفنان أحمد حلمي

رسالة مفتوحة إلى الفنان أحمد حلمي

حيدر عيد

أ. أحمد،

أكتب لك هذه الرسالة من قطاع غزة المحاصر والمحتل، وكلاجئ فلسطيني عربي يعاني ويلات الاحتلال والأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، وكمعجب يتابع أعمالك الفنية بكل تقدير واحترام.

لقد أصابنا، نحن الفلسطينيين والعرب المتابعين لأعمالك الفنية الجميلة والهادفة، ما يمكن أن تطلق عليه صدمة متبوعة بخيبة أمل كبيرة بعد أن قرأنا اسمك ضمن قائمة أسماء بعض الفنانين المصريين الذين حضروا حفل المغنية الأميركية، جنيفر لوبيز، في مدينة العلمين الجديدة في الساحل الشمالي، وذلك على الرغم من الدعوات التي تم توجيها من حركة المقاطعة والتي دعت فيها المصريين إلى مقاطعة حفلها.

لا شك أنك قد قرأت، أو تم إبلاغك، أن هذا الحفل يأتي بعد حفل لوبيز في مدينة تل أبيب، وسط بروباغندا إسرائيلية هائلة، وتجنيد عدد كبير من الحضور، الغالبية الساحقة منهم تخدم، أو خدمت، ضمن صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس جرائم يومية بحقنا في فلسطين المحتلة. كما أن حفلها تصادف مع قيام قوات الاحتلال بهدم أكثر من 100 شقة سكنية في مدينة القدس التي قامت لوبيز بزيارتها في نفس الوقت، وأعربت عن "حبها وإعجابها" بإسرائيل، حيث قامت بجولة سياحية بصحبة عائلتها قبل الحفل وبعده. وقامت، بطريقة مستفزة، بنشر أكثر من ستوري وصورة على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، تعبر من خلالها عن إعجابها الكبير بهذه البلاد "الرائعة". وكأنها تبارك كل الجرائم التي ترتكبها دولة الاستعمار الاستيطاني بحقنا، نحن سكان الأرض الأصليين.

وهذا بالضبط ما تحتاجه ماكينة الهسبراه (الدعاية) الإسرائيلية لتبييض وجه نظام الأبرتهايد، أيّ العمل على تبييض وجه هذه الدولة من خلال الثقافة والفن. وكأن لوبيز تخدم في جيش الاحتلال بما قدمته من خدمات عجز عنه السياسيون، كما يقول الإعلام الإسرائيلي نفسه.

أ. أحمد،

لا أعتقد أنّ فنّانًا بقيمتك وثقافتك لا يعرف كل ذلك، أو لم يسمع بحركة المقاطعة وما تصدره من بيانات ومعايير بخصوص هكذا زيارات تطبيعية لفنانين أجانب يحاولون أن يساووا بين الضحية والجلاد. حتى هذا لم تقم به لوبيز حيث أنها تجاهلت بالكامل وجود شعب فلسطيني يعاني اضطهادا مركبا تمارسه الدولة التي استضافتها. وبالتالي قامت بإقامة الحفل الذي حضرته مع مجموعة صغيرة من الفنانين المصريين على الرغم من قيام حركة المقاطعة في مصر، بتأييد كامل من حركة المقاطعة الفلسطينية التي تقود حركة البي دي أس العالمية، بإصدار بيان واضح بهذا الخصوص ورد فيه: "المغنية الأميركية جينيفر لوبيز رفضت الاستجابة لنداءات مقاطعة إسرائيل، وأصرّت على إقامة حفل غنائي في الأراضي المحتلة، وتورطت بتبييض وجه الاحتلال وغسل جرائمه في حق الشعب الفلسطيني... في الوقت نفسه تعلن إحدى الشركات المصرية عن تنظيمها حفلًا غنائيًا للمغنية الأميركية في القاهرة في أغسطس الجاري، وهو ما نعتبره رسالة استفزازية تطبيعية تحمل في طياتها محاولات خبيثة لتمرير التطبيع مع العدوّ الصهيوني والمتورطين في دعم جرائمه، وهو ما لن يقبله الشعب المصري وقواه الحية. إننا نتوجه لكل مصري حرّ بالدعوة لمقاطعة هذا الحفل الغنائي".

السؤال، الذي برز بعد الإحباط من حضورك هذا الحفل، هو إن كنت تعرف كل ما سبق؟ والحقيقة أن الإجابتين المحتملتين محبطتان. فإن كنت تعرف فذلك يعني تواطؤًا مع ما قامت به المغنية الأميركيّة من تبييض لوجه إسرائيل الملطخ بدماء أطفالنا، ورفض من حضرتك لنداء المقاطعة الذي يتمحور حوله شبه إجماع فلسطيني، بالذات من الفنانين والفنانات. وإن كنت لا تعرف سأترك لك تقييم ما يعني ذلك لفنان بقيمتك ورقيك الفني والثقافي.

أكتب لك هذه الرسالة بعد أن تلقيت خبر قيام قوات الاحتلال بقتل أربعة شبان بدم بارد بالقرب من السلك الشائك لقطاع غزة، وتحضير قطعان المستوطنين في الضفة المحتلة لعملية اقتحام جديدة للمسجد الأقصى الشريف. ألا يحق لنا أن نطالب بأضعف الإيمان من أشقائنا العرب والامتناع عن المساهمة في أي عمل قد يتم استثماره من قبل وزارتي الشؤون الإستراتيجية والخارجية في إسرائيل لترويج صورة زائفة عن دولة الأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني؟!

قد يتطلب كل ذلك مراجعة جدية من حضرتك، وذلك أقل ما يمكن أن تقدمه لكل المعجبين بفنك.


* محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية «الشبكة»، وأستاذ جامعي في جامعة الأقصى ــ غزة