تحليل | الأهم ألا تصلا للقدس

تحليل | الأهم ألا تصلا للقدس

بلال ضاهر

ربما سيعتبر الأميركيون، الآن، أن إسرائيل "صححت" سياستها، بموافقتها على زيارة عضو الكونغرس الأميركي، رشيدة طليب، لجدتها في الضفة الغربية، بعدما رفضت، أمس، دخول طليب وزميلتها عضو الكونغرس الصومالية الأصل، إلهان عمر، بالدخول إلى البلاد. لكن انطباعا كهذا، إذا ساد لدى الأميركيين، سيكون خاطئا.

يوجد شبه إجماع في إسرائيل، بين السياسيين والإعلاميين وأوساط واسعة في الجمهور، لا يخفى على أحد، على كراهية طليب وعمر، وحتى بيرني ساندرز وغيرهم من أعضاء الكونغرس والقياديين في الحزب الديمقراطي، بسبب انتقادهم لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين واستمرار الاحتلال وتوسيع الاستيطان. ولا تتورع إسرائيل عن وصف هؤلاء حتى بمعادات السامية لمجرد انتقادهم هذا.

وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قد عبر عن موافقته على زيارة طليب وعمر إلى البلاد. وبرر السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون ديرمر، وهو أحد أكثر الأشخاص المقربين من نتنياهو، موقف نتنياهو بأنه جاء "احتراما للكونغرس" و"للحلف الإسرائيلي – الأميركي". كما أنهما يعلمان جيدا أن رفض السماح بزيارة عضوي الكونغرس عن الحزب الديمقراطي سيغضب الديمقراطيين، كما سيسيء لصورة إسرائيل في الرأي العام الأميركي.

وقد جاء تدخل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المعروف بمواقفه العنصرية ضد الأميركيين من أصحاب البشرة الداكنة والعرب، ومطالبته نتنياهو بمنع دخول طليب وعمر للبلاد، بمثابة "حبل نجاة" لنتنياهو وحكومته، الذين استغلوا الطلب ورفضوا السماح بالزيارة. وبدوره استغل ترامب الوضع، ولمعرفته بالمواقف الإسرائيلية تجاههما، وكتب في "تويتر" إن استقبالهما سيكون تعبيرا عن "ضعف" من جانب إسرائيل، وأن عضوي الكونغرس "تكرهان إسرائيل واليهود".

وزعمت إسرائيل أن عمر وطليب كانتا تعتزمان الترويج لمقاطعة إسرائيل. والأنكى من ذلك، بمفهوم دولة الاحتلال، أنهما تعتزمان زيارة القدس والمسجد الأقصى برفقة مسؤولين من السلطة الفلسطينية. ويعني ذلك، بمفهوم دولة الاحتلال، أن عضوي الكونغرس ستقوضان صورة "السيادة الإسرائيلية" في القدس المحتلة والمسجد الأقصى، وذلك عشية الانتخابات للكنيست. ولذلك تم منعهما من الدخول إلى البلاد، وهذا هو الأمر الأهم بالنسبة لحكومة اليمين الإسرائيلية.  

أما مصادقة وزير الداخلية الإسرائيلية، أرييه درعي، اليوم الجمعة، على زيارة طليب لجدتها في قرية بيت عور الفوقا، فكانت متوقعة، منذ الصباح الباكر، لأن مصادقة كهذه ستحسن مجددا صورة إسرائيل لدى الأميركيين بعد 24 ساعة، هبطت خلالها صورتها إلى الحضيض، بين الديمقراطيين وجمهورهم وفي أوساط المنظمات اليهودية الأميركية، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني "أيباك"، الذي انتقد القرار الإسرائيلي أمس. خاصة وأن إسرائيل تصور هذه المصادقة على أنها "لفتة إنسانية".

وفي المقابل، أبرز قرار درعي والإعلام الإسرائيلي أن طليب تعهدت "بعدم القيام بأي استفزاز" لدولة الاحتلال، وأنها لن تقوم بأي نشاط يدعو لمقاطعة إسرائيل. والواقع أن إسرائيل سعت إلى التضخيم في هذا السياق، لأنه يصعب على طليب، في الحالة الراهنة، "استفزاز" الاحتلال، كما يصعب عليها الترويج لمقاطعة إسرائيل، خاصة وأن ترويجا كهذا سيكون أسهل من الأراضي الأميركية. ورغم ذلك، فإن إسرائيل ستستغل أي كلمة تصرح بها طليب أثناء زيارتها لجدتها، والمبالغة في تفسيرها، خاصة في ظل انتخابات الكنيست.       

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"