ماذا ننتظر من حركة التحرر الوطني؟

ماذا ننتظر من حركة التحرر الوطني؟

نزار السهلي

يصف المتابع لمجريات الساحة الفلسطينية مرورها بمنعطفات تاريخية خطيرة، عبور مستمر منذ عقود طويلة على منحدرات ومرتفعات، تهبط شيئًاً فشيئًا بكثير من المشقة والعناء المحاطة به قضية فلسطين، ظروف لم تتغير، المنعطفات والمخاطر تتبدل وتتطور، ومفترض أنها من بديهيات معرفة طبيعة المواجهة والصراع الذي يخوضه الفلسطينيون مع المشروع الصهيوني، وسببًا أساسيًا من الأسباب التي أدت لعدم تمكن الساحة الفلسطينية بكل مكوناتها الفصائلية والحزبية من تنفيذ مهام درء المخاطر.

والجميع مدرك لتشخيص أثر كل جوانب السياسة الإسرائيلية المتبعة مع قضية شعب منذ سبعة عقود، عندما كانت أطنان التحليلات تصدر عن مراكز دراسات فلسطينية وعربية، انبرى لها نخب سياسية وثقافية، إلا أنها وجدت نفسها في النهاية عاجزة عن البت والإنجاز حتى في أبسط القضايا، تحاشيًا للضعف الذي لحق بها.

عجز شامل منيت به حركة التحرر الوطني الفلسطيني،  إذ لم تلق أي قضية تم الإشارة إلى خطورة وضعها بأي إصلاح أو مواجهة فعلية، ليس من باب رفع الصراخ ومنسوب التصريحات المرافقة لكل بند من بنود العدوان المستمر على الأرض والشعب، وما يتصل بهما من تراث وتاريخ ومقدسات، بل من ضخامة الغرق في تفاصيل الشروخ التي أصابت جسد القضية كلها، بينما تتضارب الآراء حول قضايا السلام والانقسام، ترتأي المؤسسة الصهيونية ابتكار أساليب جديدة تُمكنها من تبديد أوهام ما زال البعض ممسك بها، ويصر على تطبيق "حرفية  عالية" بما يتعلق بتنسيق أمني وحفاظه على انتقاء عبارات لا تثير غضب العدو، ولا يمارس حرفية عالية أو وطنية تفرض رد على عدوان بعيدًا عن مجربات فاشلة، أيضا على سبيل الحصر ولا أمثلة هنا غير تلك المتضخمة على جوانب القضية.

العوامل الإسرائيلية والعربية والدولية، الضاغطة على ملف القضية بشقها السياسي والاقتصادي، خصوصا مع الحقبة الترامبية، وانكشاف البعض العربي على التصهين والتآمر العلني، والتحالف حتى مع المؤسسة الأمنية الصهيونية، وفتح الحدود والمطارات أمامها وتبادل المعلومات، وغيرها من عوامل، تسعى للوصول إلى أهداف  تتناقض تماماً مع اللغة والمسعى الذي تحابي به حركة تحرر فلسطيني "سلطة وفصائل" هذا البعض الرسمي العربي المتآمر والمدعي للمقاومة، الذي يجعل من استمرار المخاطر وتوصيفها البقاء في منعرجات ومنحدرات، تتحدث عنها لغة جوفاء لا تليق بالتحديات.

والآن ما الذي تكشف عنه خارطة التحديات التي يقال عنها جديدة؟

ببساطة نقول: لا السياسة الاستيطانية ستُلجم أو تتبدل، ولا التعلق بعملية سياسية ميتة تفيد حركة التحرر ومقاومة المشروع الصهيوني، ولا الرهان على كتل وأحزاب صهيونية، وحكومة إسرائيلية متحالفة مع هذا وذاك سيُحدث فارق على مستوى القضية، المسألة في جوهرها مفتوحة على ملف واحد يلح على الموضوع الفلسطيني، من حيث نوعية المواقف والإجراءات والخطوات الواجب اتخاذها، أو من حيث درجة تصور ترتيب البيت الفلسطيني بعيدًا عن أوهام تفرع منها أجزاء كثيرة من معضلات حركة التحرر الوطني.

من هذه الأوهام، التعلق والتحالف مع أنظمة عربية مستبدة وديكتاتورية، والتخلي عن شعوب عربية كانت وستبقى العمق المديد لقضية عادلة وهي تهم الفلسطينيين من زاوية طبيعة التحالف الطبيعي مع معاناة وقهر شعوب المنطقة، التي كانت وستبقى بوصلتها فلسطين بعكس ما تدعيه معظم النظم التي ساهمت بقتل وسحق شعوبها

ومن الإجحاف الشديد، القول إن ما شهدته الشوارع العربية من ثورات وانتفاضات انعكس سلبًا  على ملف القضية، بينما فك الروابط مع الشارع الفلسطيني والعربي ساهم إلى حد بعيد بهذه الخسارة، لأسباب بسيطة ذكرناها في المقدمة  أن الانحدارات لم تتوقف والأسئلة المرتبطة بالمخاطر، هي كل ما شهدته فصول قضية الشعب الفلسطيني وحركة تحرر، يقود ببساطة التحليلات التي حملتها نخب طلائع الثورة  فلسطينية وعربية: تقود لثورات وانقلاب على سياسات مكنت المؤسسة الصهيونية من تنفيذ معظم خططها، بينما فشلت كل البرامج من المقاومة الى التنمية البشرية، في وقف زحف الاستيطان ووقف العدوان.

ما الذي ننتظره أو تنتظره حركة التحرر الوطني؟

أو على ماذا تراهن السلطة والمعارضة وكل الفصائل الفلسطينية؟ تبدل الظروف مثلاَ، للعودة لمناقشة مشروع  حل الدولتين والغوص في تفاصيل لربع قرن قادم، آن الأوان لطرح بدائل مقنعة أكثر، ألفها ويائها الاتفاق على وحدة البيت الفلسطيني، كجزء من الشارع العربي عمقه الكفاحي والنضالي، دون تلك الأبجدية سيل الانحدار متواصل بتوصيف ركيك وسمج، ونواة تفعيل كل ذلك لا تنسجم مع شعارات ثبت فشلها في كل الامتحانات التي مرت بها القضية، أو التي اختبرت فيها مواقف نخب حركة التحرر، من قضايا غير بعيدة عن جزئها العضوي في البديل الديمقراطي الوطني، و في المواطنة والكرامة والحرية، دون تحقيق هذه الأهداف والوصول إليها لن تتحقق مقدمات خلق بدائل العجز الراهن.

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة