في ذكرى د. روضة بشارة عطا الله

في ذكرى د. روضة بشارة عطا الله

نزار السهلي

الرحيل دائمًا له وجه آخر، وجه القدرة على استكمال وتطوير ما تأسس وما كانت تتوق إليه الراحلة د. روضة بشارة عطا الله، وما تترجمه جمعية الثقافة العربية في حيفا، أمسى حجرًا قويا في بناء الهوية والحفاظ عليها، في مطاف المدن والقرى والبلدات الفلسطينية في الداخل، يتمتم  فرح المعرفة والثقافة والانتماء، أولئك الطالعون من جوف الضياء  يحاكون ضوء أشع في الناصرة وغفا للمرة الأخيرة في إقرث يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 2013.

بعد ستة أعوام من رحيل د. روضة، لا بد من رصد القيمة الإبداعية من إرثها في جمعية الثقافة العربية  في حيفا، ونمو ما زرعته في جيل أدرك عمق تمسكه بهويته ولغته وثقافته، فمن مخيمات التربية الوطنية الصيفية، ومِنح التعليم الجامعي، إلى "مهرجان المدينة"، و"آل التعريف" و"باص حيفا بيروت" ، و"حديث الأربعاء"، و"سينما الانشراح"، ومعارض الكتب التي تنظمها جمعية الثقافة في استكمال ما بدأته الراحلة، هو لتوفير قدر من مساحة مستقلة للثقافة، تعزز من حضور الهوية الوطنية في فلسطين المحتلة عام 1948، وبات للفعاليات التي تنظمها الجمعية المزيد من الحضور الواسع من مختلف المناطق والمدن والبلدات العربية في الداخل الفلسطيني.

هذا المنحى التفاؤلي، أولوية ما جُمع من إرث رحيل روضة بشارة، بعد ستة أعوام، شبان وشابات تسلحوا بزادهم من المعرفة واللغة، وهما صنوان يغذيان بعضهما البعض، ويتكلان على هوية أصيلة تواجه كل أشكال الانتزاع والتشويه.

مشاركة أوجاع البشر وأحلامهم عن حيفا والناصرة والقدس وترشيحا وأم الفحم، وكل قرية في الجليل والمثلث والنقب والساحل، كانت الرابط العضوي بينها وبينهم، وبرهان فاض وضوحا بين الأبناء والرفاق، لينتشر وهجا في البلاد، ضياؤه وصل لمن يتلمس المعرفة عن جذره في "وتبقى الجذور"، التي تواجه الظلام بالمعرفة وتتصدى للأسرلة باللغة التي ترتقي لفعل المقاومة، ضد تطبيع العقل والثقافة.

نجول في "باص حيفا بيروت" نحو خرائب البلد المهجرة، نطوف في معرض الكتاب و"لغتي هويتي"، و"سينما الانشراح"، و"مهرجان المدينة"، والأمسيات الثقافية، بحزمة كاملة من الوضوح المستمد لدلالته من مفهوم أساسي هو: الحفاظ على الهوية والانتماء وتطويرهما كسلاح فعال لمواجهة سياسة الطمس والإذابة للهوية العربية، وهما كانا بعدين عميقين في شخصية د. روضة. عملها وإرثها المتروك بين صفوف الشباب وتطويره، يليق بالمهام التي أُوكلت لها، أو التي أخذتها على عاتقها باستعادة ما فقده المنكوبون فوق أرضهم، والعودة من جديد إلى إضاءة شعلة الثقافة واللغة والعلم بعد محاولات أسرلة الثقافة والهوية.

من قرأ مسيرة الراحلة روضة بشارة، يكتشف إنسانا يُنجز قوته الخلاقة المرتكزة على وعي وقوة إرادة ونضال، يدرك ما سطرته مسيرتها الفاضلة والنقية، ومواكبتها  للعلم والثقافة وأهمية الهوية والقيم، سلاح لا تنفذ ذخيرته لاستعادة الوطن المفقود.

لا سبيل لتضميد جراح المنكوبين من أهل البلاد، ومن صمدوا في وجه الأسرلة والطمس، إلا في عافية الهوية واللغة، وتعميق الانتماء لهما، وتعزيز المعرفة العلمية. كان هذا فهم الدكتورة روضة الذي لازمها في مسيرتها، وطريقها للإنسان الذي استهدفه جهدها، ويستكمله الأبناء في ذكراها الدائمة بينهم.

من هذا المنظار، يتجلى لنا عمل الرفاق والأبناء في جمعية الثقافة العربية، وفي أشكال العمل المختلفة التي تنتهجها اليوم، بتأكيد العزم على مجابهة الظروف التي تحيط بمجتمع أهل البلاد  وأصحابها الأصليين. ما خطته وعملت به د. روضة سبيلا للوصول لفكر ولغة وعلم، يوحد ويساعد على صمود أصحاب الأرض والبلاد، وإذا كان هناك من عبرة في ذكرى روضة نحاول أن نتلمسها في العام السادس للرحيل، هي الثقة بالأفكار التي عبرت عنها، والأهداف التي أوصلت محبيها إليها بعزم وقوة ومحبة، كرست وجودها وحضورها، وستبقى تهل من البلاد وفيها أبدًا.