الأبعاد الأصولية لـ"صفقة القرن"

الأبعاد الأصولية لـ"صفقة القرن"

فهيمة كتاني غنايم

ينظر عبد الوهّاب المسيري إلى أنّ علم اجتماع المعرفة هو العلم الذي يتناول علاقة حركة الأفكار بتجربة المجتمع، وكيف تتشكل هذه الأفكار، وكيف تتبنى بعض الجماعات والطبقات مجموعة من الأفكار، فتصبح نسقًا فكريًا مشتركًا بينها، ويعبر عن مصالحها ورؤيتها للكون، ويحدد سلوكها السياسي، بل والاقتصادي في كثير من الأحيان.

ففي كتابِه "الدّولة اليهوديّة"، تناول هرتسل ما عاناه اليهود على أيدي الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، وتعصّب الكاثوليك ضدّهم، حتى طُردوا من إنجلترا ومن فرنسا ومن ألمانيا، وقبل ذلك من إسبانيا، ولعدة قرون. ومع ظهور مارتن لوثر، خفَّت قبضة الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا، وبمرور الوقت انقسمت أوروبا بين الطائفتين، وأثرت دعوة لوثر بالرجوع إلى الكتاب المقدس وحده، في أن بدأت أوروبا البروتستانتية تقرأ العهد القديم عن أنبياء بني إسرائيل وأبطالهم، وممارساتهم في قتل وإبادة الأغيار طبقا للأوامر الإلهية.

فقد قامت إسرائيل على نبوءات توراتية دينية وعلمانية عنصرية، تفيد بأنهم "شعب الله المختار"، لذلك وهبهم الله "أرض الميعاد"، لتتحقق على أيديهم أسطورة البقاء لمن اختارهم الله لحكم البشرية، ونشر ما ابتدعوا من ثقافة وقيم في العالم، بعد أن أصبح الالتزام الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة بإنشاء وطن قومي لليهود، ومن ثم منحهم تفوقًا عسكريًا في الشرق الأوسط تطلعًا لتحقيق نبوءة هرمجدون تمهيدا لظهور "المشيح".

من هنا يمكننا ملاحظة تطور المشروع الصهيوني في فلسطين، باتجاه تحقيق ما يصفه المؤرخ إيلان بابه بإعادة تكوين اليهودية بصفتها حركة قومية - بالرغم من الصبغة الاستعمارية التي صاحبت وما تزال احتلال الصهاينة لأرض فلسطين - الأمر الذي مهد للمؤسسة الإسرائيلية البحث عن سبل التطهير العرقي للمساحة المكانية التي احتلوها.

في هذا السياق، أجمع علماء الاجتماع السياسي في الكيان الصهيوني على الدور الكبير للانتصارات العسكرية التي حققتها "إسرائيل" على الدول العربية في1967، وما أسفر عنها من احتلال الضفة الغربية، والقدس، وهضبة الجولان، وقطاع غزة، وصحراء سيناء، واعتبارها معجزة إلهية - ما هيأ لإيجاد بيئة مناسبة لتنامي التطرف الديني اليهودي. فقد نظرت قطاعات يهودية كثيرة لهذه الانتصارات على أنها تحقيق لنبوءات جاءت بها التوراة بداية لتحقيق الخلاص، ومقدمة لقدوم "المشيح"، وذلك في تأكيد للحاخام موشيه ليفنغر عراب الاستيطان في الخليل: "كل ما حدث من فعل العناية الإلهية التي شاءت تحرير أجزاء كبيرة من أراضينا".

وفي جوهر القول، فإن الأيديولوجيا الصهيونية وفق ما أشار إليه الحاخام لانداو، تدور حول فكرة ثابتة واحدة، "وكل القيم الأخرى إِنْ هذه إلا أداة في يد هذا المطلق"، ثم حدد هذا المطلق على أنه الأمة.

وقد وافقه ليلينبلوم وكان ملحدا، على قوله هذا: "إن الأمة كلها أعز علينا من كل التقسيمات المتصلبة المتعلقة بالأمور الأرثوذكسية أو الليبرالية في الدين. فلا مؤمنون ولا كفار، بل الجميع أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب... لأننا كلنا مقدسون سواء كنا غير مؤمنين أو أرثوذكسيين"

ترتبط تلك القداسة بمفهومين متضادين في عمقهما: اليهودية كدين سماوي، والصهيونية كأيديولوجية سياسية دنيوية، بات أولهما في خدمة الآخر، فمعظم المفكرين الصهاينة من الصف الأول كهرتسل وبنسكر ونوردو وسيركين وبوروخوف، كانوا نتاج عصرهم الأوروبي، وهو عصر تميز بالعلمانية والإلحاد، جل اهتمامه بما هو مادي وكمي، لذا لم يلتفت أولئك إلى ما يسمى باليهودية، بل أظهر البعض عداءً واضحا لها.

ويُستخلص من ذلك التناقض ما بين الأرثوذكسية والليبرالية، أن الدين اليهودي يعتبر مصدرا للطاقة الكامنة، عبر ديباجات دينية وحثِّ اليهود على العودة (العاليا) لاستقدام "المشيح"، لتحقيق الأيديولوجية الصهيونية من خلال التداخل الحلولي الكامل بين القداسة والقومية، دون النأي عن الفكر الفاشي في حال اقتضى الأمر، واللجوء إلى العنف وإلى تصفية الآخر وإبادته نظرا لوقوعه خارج دائرة القداسة.

هذا النهج التعصبي يزداد حدة عند إضفاء أيديولوجية دينية مسيسة تكسبه شرعية "إلهية" بنظر منظريه، والأخطر بنظر تابعيه من البسطاء.

ما يؤكد أن التطرف ليس حكرًا على المجتمعات العربية والإسلامية، فكل المجتمعات عانت أو تعاني من أشكال مختلفة من التطرف الديني والسياسي، سواء في الفكر والمعتقد، أو في الممارسة والسلوك، وحقَّ قول المفكر العربي محمد عابد الجابري حين نوه أنه "في جميع الأيديولوجيات هناك دوما موقع ما للتطرف والغلو".

لذا تبدو أصولية القرن العشرين شديدة التعبير عن التطورات الدينية، ما أدى إلى ما سماه علماء الاجتماع، بمحاربة ملامح المجتمع الحديث، وهو ما نراه ماثلا أمامنا اليوم في ممارسات النظام السياسي الإسرائيلي، بعد فشل محاولات العلمنة التي تمناها الصهاينة الأوائل، مع بدايات احتلال فلسطين. وهو نفسه الذي يحاول أن يدفع بعشرات الآلاف من سكان البلاد الأصلانيين مع بقعتهم المكانية، "المثلث"، إلى أحضان ما يعتبرونه حكمًا ذاتيًا للفلسطينيين، على ما يقارب 20٪ من مساحة فلسطين التاريخية.

وبالرغم من وصف بعض علماء الاجتماع بأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع تعددي (pluralistic)، إلا أن هذه التعددية في إسرائيل تحديدا ولأسباب عدة، شكلت بيئة خصبة لنشوب التوتر والصدام بين الجماعات الإثنية والعرقية، مما استدعى بعض المختصين مثل ليسك وهوروفيتس (Horowitz and Lissak,1989) تحديد خمسة شروخ أساسية في المجتمع الإسرائيلي كالتالي: الشرخ القومي (يهود - عرب)، الشرخ الديني (متدينون – علمانيون)، والشرخ الطائفي (يهود شرقيون - يهود غربيون)، الشرخ الطبقي (فقراء - أغنياء) والشرخ الأيديولوجي (يمين - يسار). وتكمن الخطورة الأكبر من منظور علماء الاجتماع في الشرخ القومي، إلا أن واقع الحال على الأرض وما أفرزته الممارسات المتطرفة خلال العقدين الأخيرين، يقول إن الشرخ الديني هو أخطرها، من منطلق أن البون الشاسع في العقيدة الدينية والفكر العلماني الأيديولوجي واسع لدرجة لا يمكن معها ايجاد مقاربة بينهما.

الأمر الذي يظهر ما شهده العقدين الأخيرين من تحولات تدريجية في إسرائيل نحو اليمين المتطرف، وكان قد بلغ ذروته في أعقاب "عملية السلام" التي لحقها اغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلي، إسحق رابين، حيث ارتفعت وتيرة التحريض ضد التسوية مع الفلسطينيين والقائمين عليها، مما أدى إلى تفاقم الشرخ الديني باتجاه العنف في أكثر من مناسبة.

ومن الجدير لنا التمييز بين الشعور القومي المشيحاني (المسياني) الذي يؤمن بخلاص الشعب اليهودي ويعمل من أجل ذلك، والمتمثل بحركة "غوش إيمونيم "-(كتلة المؤمنين)، والتي تمثل أكبر وأهم الجماعات الأصولية اليهودية المتطرفة في "إسرائيل"، وبين جماعات الحريديين (أي الورعين أو المتزمتين دينيا)، الذين يركزون جل نشاطاتهم في الصلوات، وبالتالي انعزالهم عن التيار الاجتماعي والسياسي العام.

ووفق ذلك، يدعي الصحافي ديفيد هيرست "بأن جذور العنف في الشرق الأوسط تعود لـ ’الأصولية اليهودية المتطرفة’"، ويعتبر تجاهل الغرب لمخاطرها ممارسة للمعايير المزدوجة، خصوصًا وأن الغربيين طالما حاربوا الأصولية الإسلامية واعتبروها عدوا احتل محل الشيوعية.

فالأصولية اليهودية المتطرفة وخاصة المشيحانية منها، تلقي بظلال سطوتها على السياسة الداخلية والخارجية الإسرائيلية، لتلتقي في إيديولوجياتها مع الأصولية المشيحانية المتطرفة في الولايات المتحدة، لتشكل ثقلا يتحكم في بلورة السياسات الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط وعلاقة إسرائيل بالدول العربية، وبالفلسطينيين على وجه الخصوص.

وأصبحت تتجسد تلك السطوة في الثقافة اليهودية الإسرائيلية، والهوية المشتركة التي أصبحت مفاهيمها تميل إلى الإثنية، على عكس الانطباع السائد بأن الحريديين لا يهمهم من يتسلم مقاليد الحكم في إسرائيل، بقدر اهتمامهم بالمصالح المادية، وفق فتوى صادرة عن أحد الحاخامات ويدعى شاخ، تفيد بأن حكم اليسار هو "حكم المطارد"، وأن كل من يعارض اليهودية يجب إيذاؤه حسب هذا القانون الذي يسمح بقتل اليهودي حتى دون محاكمة. وما نتج عن هذا الفكر من قتل رابين، هو انزياح حاد نحو اليمين الفاشي المتطرف، وتغيير قواعد اللعبة في سياق الجدل الفكري الدائر حول التعريف، هل هي "دولة" تتبنى تعريف الهوية، أم تسير في سياق وضعها الوظيفي، التي تأسست من أجله، فكان الحسم لصالح الأول على حساب الثاني، ما نتج عنه إقرار "قانون القومية" العنصري الذي يؤدي بالضرورة وظيفته باتجاه محاولات الترانسفير العرقي. بهذا المعنى يمكننا قراءة الأبعاد الأصولية لصفقة القرن، والتأكد من هذا التصور وفهم دلالاته.


فهيمة كتّاني - غنايم: محاضرة في أكاديميّة القاسمي – باقة الغربيّة، باحثة مهتمّة بالشأن الثقافيّ والسياسيّ الفلسطينيّ والعربيّ. تكتب في الأدب والثقافة والسياسة، حاصلة على بكالوريوس علوم الحاسوب والرياضيّات، وماجستير في الاستشارة التربويّة. تحضّر لماجستير علم الحضارات في جامعة حيفا، ودكتوراه الإدارة التربويّة في جامعة اليرموك – الأردن.