الأزمات كاشفة المعادن

الأزمات كاشفة المعادن

سهيل كيوان

الأزمات تكشف أخلاق ومعادن الأفراد والمجموعات البشرية، ومستوى الوعي وطرق التفكير، تكشف حقائق كانت متخفّية في ظلال الرفاه والحياة الروتينية.

وصف هذا ابن خلدون بدقّة بقوله "الناس في السكينة سواء، فإذا جاءت المِحَن تباينوا".

أظهرت محنة فيروس كورونا أخلاقيات غريبة لدى بعض شبان العالم، فقد أظهرت بعض المتابعات، أن شبانًا من الألمان يقيمون "حفلات كورونا"، حيث يجتمع بعضهم في الحدائق العامة بأعداد كبيرة ثم يتعاطسون ويتساعلون، أي أن بعضهم يعطس ويسعل قبالة بعض، وهم على ثقة تامة بأنهم لن يصابوا بالمرض، لأنهم شبان ولديهم جهاز مناعة قوي.

هذا التصرف ذو خلفية فاشية وحتى نازية، فالنظرية النازية لا تعترف بالضعفاء وحقهم في الحياة، ومن هذا المنطلق يثمل بعض الشبان من النازيين الجدد بخمرة القوة، ويستهترون في حق الضعفاء في الحياة، فلا يكترثون لنقل المرض وتفشّيه.

كذلك في بريطانيا وأميركا، يبدو أن الشباب والكهول من ذوي اللياقة البدنية الجيّدة لا يهتمون لصحة غيرهم، والغير في هذه الحالة هم الوالدان والأقربون من المسنين، وبهذا التصرّف الأناني يقولون إنه ما دامت المشكلة بعيدة عني، فلا يهمني مصير غيري.

في أميركا بلد الحرية الأكبر، والبلد الأقوى والأغنى في العالم، أُفرغ الناس متاجر بيع السلاح تمامًا من المسدسات والبنادق وغيرها من أسلحة لحماية أنفسهم، خشيةً من فوضى قادمة محتملة، وسرقات وسطو على البيوت والمتاجر في حال اشتداد الأزمة، وقد رأينا نماذج من اشتباكات بالأيدي في المراكز التجارية، ما يشير إلى أنه مجتمع ضعيف ومتفكك، يفتقد إلى الأخلاق الأساسية، ولا يؤمن إلا بالقوة وقانون الغاب، وهو انعكاس لما تمارسه الإدارات الأميركية المتعاقبة في العالم تجاه الأمم الضعيفة.

في بلادنا، يستغل رئيس الحكومة منتهي الصلاحية، بنيامين نتنياهو، منصّة كورونا للتحريض على النواب العرب، ويصفهم بـ"داعمي الإرهاب"، رغم أنهم يمثلون أكثر من 580 ألف مواطن مع أسرهم، هذا يعني أنهم يمثلون الأغلبية الساحقة من المجتمع العربي. في هذا الظرف الخطير بالذات، يحرّض نتنياهو على النواب العرب ويصفهم بـ"داعمي الإرهاب"، وهي ليست عنصرية فقط، بل هي دعوة تحمل في طياتها خطرًا جسديًا على النواب والمواطنين العرب. هذا يؤكد استعداد نتنياهو لحرق الأخضر واليابس كي يبقى في السلطة.

كذلك رأينا قوة احتلالية تحضر عاملا فلسطينيا مريضًا من داخل الخط الأخضر، وتلقي به على حاجز بيت سيرا غرب رام الله، وتتركه من دون أي مساعدة طبية، ليبقى الشاب ملقى على الأرض لثلاث ساعات، إلى أن تصل سيارة إسعاف "الهلال الأحمر" لتنقله إلى داخل الضفة الغربية، وهذا يذكرنا بأن الاحتلال أخطر من كورونا.

لاحظنا أيضا استهتارًا من قبل فئة من شبابنا في بلداتنا العربية، فكثيرون منهم لا يلتزمون بالتعليمات، وما زالت شوارع بعض المدن والقرى العربية تشهد حركة قويّة نسبيًا في ساعات المساء، وكأن الخطر لا يعنيهم، علمًا أنهم قد ينقلون الفيروسات إلى ذويهم دون أن يشعروا بذلك، وهذه أنانية وعدم مسؤولية، ومن منتجات ثقافة الاستهلاك والتدهور الأخلاقي، لأنهم يشكلون خطرًا على الضعفاء وكبار السّن.

كلنا نعرف خلو بلداتنا العربية من المستشفيات باستثناء الناصرة، وهذا يعني أننا سنضطر إلى السفر إلى المدن اليهودية وإلى أمكنة بعيدة في حالة الحاجة لا قدر الله، وسيكون وضعنا سيئًا جدًا، وأسوأ من الوضع في المجتمع اليهودي. والمرجح أن المستشفيات ستتوقف عن استقبال المصابين لعجزها عن الاستيعاب، لهذا علينا أن نكون أكثر حرصًا على صحتنا وصحة من حولنا، وخصوصًا في هذه الفترة، وعلينا إعداد مراكز مثل المدارس والمراكز الجماهيرية للعزل الصحي إذا اقتضى الأمر.

من اللفتات الجميلة، رأينا لجان زكاة وجمعيات خيرية وفروعًا لأحزاب سياسية وآلاف المتطوعين العرب، وقد استعدوا لجمع التبرعات وتوزيعها على الأسر المحتاجة، وقد بدأ بعضها يعمل بالفعل.

كذلك رأينا أصحاب مخابز ودكاكين خضار يعلقون لافتات على محلاتهم كتب عليها "إذا كنت محتاجًا ولا تملك مالا فخذ حاجتك". هذه خطوة تشير إلى معدن طيّب وأصالة، ولكن يجب تطبيق الفكرة بآلية غير مباشرة، تحفظ لصاحب الحاجة كرامته، ودون أن يعرفه صاحب المخبز أو الدكان.

أزمة كورونا قالت وستقول إن دور الأخلاق التاريخي لم ينته من حياة البشر بعد، وأن الحياة المادية بوجهيها الجميل والقبيح، مهما بدت قوية وثابتة وحاسمة، فهي هشّة جدًا، ولا تصمد في الامتحانات الكبيرة المصيرية، بل أن الأخلاق التي يحركها الضمير والرؤية الروحية أقوى من أية قوانين، وصدق الشاعر في قوله: وإنما الأمم الأخلاقُ ما بقيت - فإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا.

بعد انقضاء هذه المحنة العالمية بإذن الله، سيعود الناس إلى "الروتين"، وهو ليس مثاليا أصلا. ستعود قضايا همّشها كورونا إلى الصدارة من جديد، مثل قضية اللاجئين الذين قد يدفعون أكثر من غيرهم فاتورة حصاد الوباء. كذلك علينا أن نفطن بأن هناك من كانوا بحاجة إلى الدعم المعنوي والمادي قبل كورونا، وهم كذلك بعدها. هناك ذوو أمراض مزمنة وخطيرة، وذوو إعاقات وفئات ضعيفة تحتاج إلى الدعم المستمر. الصراع بين الخير والشر مستمر ويحتد أكثر وأكثر خلال الأزمات، لآمل أن تكون هذه المحنة سببًا في استيقاظ ضمائر البشر، وفرصة لإصلاح ما خرّبته وشوهته ثقافة المادة والاستهلاك والقوة في أرواح الناس.