جائحة كورونا تتغذى على انعدام المساواة

جائحة كورونا تتغذى على انعدام المساواة

شيما فيرا

ينشر "عرب ٤٨" مقالا مترجما للمدير التنفيذي المؤقّت لمنظمة "أوكسفام" الدوليّة، شيما فيرا، في إطار التعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، ترجمة: معاذ حجاج.


"الفيروس سيجعلنا نتضوّر جوعًا قبل أن يُصيبنا بالمرض"، تلخّص هذه الرسالة النصية، التي تلقاها أحد زملائي في نيروبي من صديقه ميكا، الذي يعمل سائق سيارة أجرة، التهديد الوجودي الذي تفرضه جائحة مرض فيروس كورونا 2019 على ملايين الأشخاص.

لم يتلقَّ ميكا أجره منذ أسابيع، وهو الآن يقترض المال لشراء الطعام لأطفاله. وهذا بسبب انهيار مجال عمله، شأنه في ذلك شأن العديد من القطاعات الأخرى، نظرًا لفرض حظر التجول في كينيا من الساعة السابعة مساء وحتى الخامسة صباحا، وتدهور السياحة، وإغلاق المطارات والحانات والمطاعم والمحلات التجارية.

في الواقع، أكّد صندوق النقد الدولي بالفعل أن الأثر الاقتصادي المترتب على الجائحة "أسوأ بكثير" من تأثير الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2009. وأظهر بحث جديد أجرته منظمة أوكسفام بالاشتراك مع كلية "كينغز كوليدج" في لندن، والجامعة الوطنية الأسترالية أن الأزمة الحالية من شأنها أن تدفع ما يقرب من نصف مليار شخص إلى الفقر. كما سبق أن حذر باحثون في "إمبريال كوليدج لندن" من احتمالية أن يودي فيروس كورونا 2019 بحياة 40 مليون شخص ما لم تتخذ الحكومات إجراءات عاجلة.

يؤثر هذا الفيروس علينا جميعا، ولا يستثني الأمراء ونجوم السينما. لكن لم يسبق على الإطلاق أن تكشف أزمة عن أوجه التفاوت الشديدة التي تقسم عالمنا.

في مشاهد شبيهة بالنزوح الجماعي، أُعيد ملايين العمال إلى منازلهم بدون أجر. لنأخذ على سبيل المثال عاملات صناعة الملابس في بنغلاديش، اللاتي يصنعن الكثير من الملابس التي نرتديها. حيث يمتنع 98٪ من المشترين، وغالبا ما يتمثلون في شركات غنية متعددة الجنسيات، عن المساهمة في دفع تكلفة أجورهن الضائعة. ماذا ستفعل هؤلاء النساء الآن؟

في الوقت ذاته، لا يستطيع العاملون، الذين يقومون بأدوار أساسية - مثل مقدمي الرعاية، والممرضات، وصرافي المتاجر الكبرى - عزل أنفسهم عن الفيروس المميت، ناهيك عن أن وظائفهم من بين أقل الوظائف من حيث الأجور والاستقرار. ومعظمهم من النساء أيضا.

ربما يحظى المواطنون المحظوظون بفرصة الحصول على أفضل رعاية صحية، والاعتماد على مدخراتهم، والعمل من المنزل (أو الهروب إلى منازل العطلة) خلال الوباء. لكن بالنسبة إلى معظم البشر، فإن عوامل الأمان النسبي هذه بعيدة المنال.

كما هي الحال مع أوجه التفاوت داخل البلدان، فإن انعدام المساواة بين البلدان الغنية والفقيرة سيشكل تجارب الشعوب مع هذا الوباء بشكل جوهري. فبينما تكشف حكومات الدول الغنية عن حزم مالية ضخمة لإنقاذ اقتصاداتها، تغرق البلدان النامية في الديون، التي وصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق بنسبة 191٪ من إجمالي الناتج المحلي. تُساعد أوجه التفاوت هذه في تفسير سبب وجود طبيب واحد لكل 71000 فرد في تنزانيا، وثلاثة أجهزة لمساعدة التنفس لكل مليون فرد في مالي. وفي مخيمات اللاجئين حيث تعمل منظمة "أوكسفام"، يتشارك مئات الأشخاص صنبور مياه واحد.

نحن الآن في احتياج إلى تحرك عالمي. حيث يتمثل السبيل الوحيد لوقف انتشار الوباء ومنع حدوث انهيار اقتصادي عالمي في تقديم استجابة قوية من جانب الدول الغنية والقوية. وفي هذا الصدد، ينبغي أن تفي مجموعة العشرين بالتزاماتها فيما يتعلق بقيادة العالم خلال الأزمات.

وتحقيقًا لهذه الغاية، تحث خطة الإنقاذ الاقتصادي للجميع، التي وضعتها منظمة "أوكسفام"، أغنى اقتصادات العالم على زيادة دعمها للدول النامية بشكل كبير، مؤكدة على دعوة الأمم المتحدة إلى إنشاء حزمة مساعدات عالمية طارئة بقيمة 2.5 تريليون دولار. باختصار، يجب أن تتخذ حكومات الدول الغنية خطوات عاجلة لتدويل التدابير التي يتخذها الكثير منها في الداخل. وهذا ليس التصرف السليم فحسب، بل إنه يصب أيضا في مصلحتها الذاتية. وما دام الفيروس موجودا في أي مكان، فسوف يشكل خطرا على كل مكان.

الأولوية الأولى هي إتاحة تريليونات الدولارات التي تحتاج إليها الدول الفقيرة. وهنا، يجب أن توافق مجموعة العشرين على إلغاء جميع الديون الخارجية المستحقة على الدول النامية في عام 2020 بشكل نهائي. فليس من المنطقي في هذا التوقيت أن تجمع الدول الغنية الأموال من الدول الفقيرة التي هي بحاجة إلى كل شلن، وبيزو، وروبية لمكافحة الجائحة.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تسعى مجموعة العشرين إلى إجراء تحفيز اقتصادي طارئ لا تقل قيمته عن تريليون دولار من حقوق السحب الخاصة، وهي العملة الاحتياطية العالمية لصندوق النقد الدولي. من شأن هذه الخطوة أن تعزز احتياطيات الدول الأكثر فقرا في العالم، في حين أنها لن تكلّف الدول الغنية أي شيء - بل إنها ستستفيد أيضا. كما ينبغي لمجموعة العشرين أن تدعم زيادة تقديم المساعدات وفرض ضرائب استثنائية، على سبيل المثال على الأرباح غير العادية ونواتج المضاربة المالية. إذا لم يكن الوقت مناسبا لمثل هذه الإجراءات، متى سيكون؟

وتتمثل الأولوية التالية في توجيه الموارد الضرورية نحو إنقاذ الأرواح وحماية الشعوب من الفقر. فلن تساعد الزيادة في التمويل الشعوب الضعيفة إذا أُنفقت على الأمور الخطأ، أو جرى الاستحواذ عليها من قبل نخب مؤسسية غير خاضعة للمساءلة. في الواقع، هذا هو الدرس الأساسي المُستفاد من الأزمة المالية في عامي 2008 و2009.

اقترحت "أوكسفام" حزمة تهدف إلى وضع خطة للصحة العامة العالمية والاستجابة لحالات الطوارئ، وتدعو الخطة إلى مضاعفة الإنفاق على الصحة العامة بصورة عاجلة في 85 دولة فقيرة من أجل إنقاذ الأرواح. بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الحكومات إلى مساعدة مالية لتعزيز تدابير الحماية الاجتماعية، التي يفتقر إليها حاليا أربعة مليارات شخص حول العالم، وتوفير منح نقدية للأفراد مثل ميكا.

لا شك أن الاقتصادات في كل مكان بحاجة إلى وجود مشاريع صغيرة، مثل مشروع ميكا، من أجل البقاء والمساعدة في تحقيق الانتعاش الاقتصادي في نهاية المطاف. ومن ناحية أخرى، ينبغي أن تكون عمليات الإنقاذ لأغنى الشركات مشروطة بدفع هذه الشركات حصتها العادلة من الضرائب، ودفع أجر معيشي للعمال، وخفض الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي.

وأخيرًا، عندما نبدأ في تأسيس الوضع الجديد فوق رماد القديم، يجب أن نسأل أنفسنا كيف وصلنا إلى هذه النقطة. هل كانت فكرة جيدة من الأساس أن تجعل الحكومات الرعاية الصحية امتيازا للأثرياء بدلا من أن تكون حقا أساسيا، أو أن تتجاهل ضرورة توفير أجر معيشي أو حماية اجتماعية للجميع؟ وهل كان من الحكمة أن تسمح لألفي ملياردير بامتلاك ثروة تفوق ما يمتلكه 4.6 مليار شخص مجتمعين؟

اليوم، يواجه كوكبنا أزمة، كما تواجه صحة الأفراد ورفاههم الاقتصادي خطرا محدقا. ولا يمكننا الآن أن نستمر في تطبيق النموذج الاقتصادي غير المتكافئ، والاستغلالي، والمتحيز جنسيا، والمزيف الذي دمر عالمنا في المقام الأول. وبدلا من ذلك، ينبغي أن نبني اقتصادا أكثر مساواة واستدامة ورعاية وتوجها نحو حقوق الإنسان، بدءا من الآن.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص