مسلسل "أم هارون".. قبل شارة البداية

مسلسل "أم هارون".. قبل شارة البداية

أحمد دراوشة

لم يُعرض مسلسل "أم هارون" بعد. اكتفى كثيرون بموضوعه لفتح باب الغضب على مصراعيه، تجاوزت مواقع التواصل الاجتماعي إلى صفحات الجرائد والبيانات الغاضبة.

المسلسل، الذي تنتجه "إم بي سي"، يتناول قصّة سيدة يهوديّة تدعى أم هارون. صُوّر في الإمارات بتمويلٍ منها، لكنّ الجدل أثير في الكويت، ليس لأن بطلته، حياة الفهد، أشهر فنانة كويتيّة على الإطلاق، بل التعامل الحذر (المُحبّب) الذي تميّز المجتمع الكويتي، عربيًا، تجاه التطبيع مع إسرائيل ولمستوى النقاش السياسي العام في البلد.

ذهب النقاش بعيدًا ووصل حدّ الدعوة لمقاطعة العمل. بعض الكلام صحيح مثل أن يكون سبب المقاطعة تصريحات الفهد العنصريّة ضد العمال الأجانب في الكويت (دعت لرميهم في الصحّراء خوفًا من امتلاء المشافي). وتكفي قراءة اسم مخرج العمل، المصريّ محمّد جمال العدل، للتشكّك في كل ما سيعرضه المسلسل، فهو مخرج مسلسلات أثارت انتقادات واسعة، مثل "الجماعة" (جزآن تناولا سيرة الإخوان المسلمين)، و"حارة اليهود" (يتناول حياة اليهود في مصر بين النكبة والنكسة)، وهما عملان اتهما بمحاباة السلطات المصريّة، يخشى تكرارها الآن مع التمويل الإماراتي، بحيث يكون المسلسل المقبل جزءًا من حملة دعائيّة للترويج لمعسكر التطبيع الذي تقوده الإمارات في المنطقة.

هذه ادّعاءات لا خلاف معها أو مجرّد نقاش، على أن يكون الحكم على قسم منها بعد عرض العمل، في رمضان المقبل.

المشكلة الأساسيّة هي في التعليقات التي رافقت التعليق على موضوع العمل: اليهود العرب.

كان هذا الموضوع كافيًا لرمي المسلسل بـ"التطبيع مع إسرائيل" (بيان "اتحرّك")، أو بتهم مضحكة مثل "أنسنة القاتل" ("الأخبار")، هل يمكن أساسًا التعامل مع أي شخصيّة دراميًا وروائيًا دون أنسنتها؟ أو أن يكون "مقدّمة للتطبيع من خلال التمهيد لاختراق الموقف الكويتي بالأسلوب الكوميدي العاطفي الذي يؤدي في النهاية إلى تقبل اليهود في التركيبة الاجتماعية" (د. طارق الطواري، "الجزيرة نت").

وبمّا أن هذه مواضيع عامّة تتعلّق بقضية استغلتّها الرواية الصهيونيّة جيّدًا، فلا بدّ من التركيز عليها، حتى قبل العمل. شكّل اليهود جزءًا من الأمة العربيّة، وكانوا أقليّة دينيّة فيها، وجزءًا أساسيًا من فسيفساء الطوائف المتنوّعة في المشرق والمغرب والخليج (وحتى في الأندلس أثناء الوجود العربي): أشهر فلاسفة اليهود وأكبر مفسّري التوراة، موسى بن ميمون (الرّمبام)، عربي وكتب بالعربيّة. مثقفون يهود لعبوا دورًا بارزًا في الثقافة العربية حتى منتصف القرن العشرين، وكان منهم الأغنياء والفقراء، كأي أقليّة طائفيّة أخرى في الوطن العربي (يذهب كثيرون إلى أن وضع اليهود في البلدان العربية كان أفضل من وضع المسيحيين مثلا).

ومنطق علاقة "الأغلبية" بـ"الأقليّة" في الوطن العربي، وفشل الدولة الحديثة بعد الاستعمار في بناء دولة المواطنة، هو المقياس الذي يحكم العلاقة باليهود في الوطن العربي، لا اللاساميّة التي لاحقت اليهود في أوروبا، ووصلت أوجها في المحرقة النازيّة. وهو نقاش سال فيه حبر كثير وما زال.

الرّواية الصهيونيّة تروي النقيض تمامًا. تصوّر اليهود العرب على أنهم مضطّهدون وتعرّضوا لملاحقات "لاساميّة"، واعترف صهاينة كثيرون أنهم أحرقوا كُنُسًا في العراق، من أجل إقناع اليهود، غير المقتنعين بقيام إسرائيل، أنهم يتعرّضون لخطر وجودي، وتواطأ معهم في ذلك الحكّام العرب، فأسقط العراق الجنسية عن اليهود، بينما سهّل النميري في السودان هجرة يهود أثيوبيا، وسهّل نظام الإمامة في اليمن نقل اليهود إلى فلسطين.

وروّجت الحركة الصهيونيّة، كذلك، أن العرب سيلقون اليهود طعامًا لسمك البحر (يكتب د. عزمي بشارة في كتابه "من يهودية الدولة حتى شارون" أن ديفيد بن غوريون أوّل من استخدم هذا التعبير، لا العرب).

ليسوا بشرًا، بل مادّة بشريّة

صحيح أن الصّهيونيّة حركة قوميّة أوروبيّة، إلا أنها بعد إعلانها قيام إسرائيل على خرائب الشعب الفلسطيني، افتقدت "إلى المادّة البشريّة" التي ستضمن لها أغلبية ديمغرافيّة داخل أرض فلسطين، فسعت إلى اجتذاب اليهود العرب من المغرب واليمن ودول المشرق العربي.

وعبر بثّ الدعاية والتواطؤ مع الأنظمة العربية جلبت ملايين اليهود إلى إسرائيل الوليدة، شكّلوا، وفق باحثين 42٪ من عدد السكّان بين عاميّ 1948 و1950.

لكن اليهودَ العرب، الموعودينَ بالجنّة في أرض اللبن والعسل، والهاربين من عنصريّة اختلقت جزءًا كبيرًا منها الرواية الصهيونيّة، وجدوا أنفسهم أمام عنصريّة حقيقيّة، هذه المرّة، مارسها اليهود الأوروبيون أنفسهم.

ألقي اليهود العرب، حرفيًا، عبر شاحناتٍ في معسكرات بصحراء النقب سميّت "مدن تطوير" (يوحي اسمها بسوء حالها) ومنعوا من مغادرتها. قبل ذلك تعرّضوا في المطار والميناء إلى إهانة عبر رشّهم بمبيدات فور وصولهم قرفًا منهم. ولاحقًا، لمدّة سنوات، منعوا من دراسة مواضيع غير الحرف ضمن سياسة عامّة وممنهجة تعمّدتها الحكومة الإسرائيلية حينها كي يكونوا حرفيّين وعمّالا فقط، وفق ما بيّنت وثيقة سريّة كشفها وثائقي "صالح، هنا أرض إسرائيل".

ورغم وجود أحياء في مدن عربية عديدة باسم "الحي اليهودي"، إلا أن اليهود لم يمنعوا من السكن خارجها، وهي كأسماء حارات كثيرة في بلادنا تحمل اسم "حارة الأرمن" أو غيرها. لكنهم وجدوا أنفسهم، بعد هجرتهم إلى إسرائيل، ممنوعين من مغادرة مدنهم لأنّ الهدف من إحضارهم أصلا ملء الفراغ الديمغرافي الذي لم يقدر يهود أوروبا على ملئه.

أمّا يهود اليمن فحكاية أخرى.

فور وصولهم إلى البلاد أخذ أطفالهم "للعلاج"، قيل لهم، لاحقًا، إنهم "ماتوا". بين 1500 إلى 5000 طفل فقدتهم عائلاتهم فور وصولهم البلاد، اتّضح بعد سنوات أن قسمًا منهم بيع بمقابل مالي إلى عائلات لتبنّيهم، وقسمًا آخر خضع لتجارب طبيّة أجرتها شركات أميركيّة.

حكاية اليهود العرب (المصطلح بالمناسبة ليهودا شنهاف)، هي حكاية فضحٍ للصهيونيّة وتصدٍّ لها، وليست، بأي حالٍ من الأحوال تطبيعًا معها. ووجودها في أعمال روائيّة ودراميّة عربيّة أكثر من ملحّ، غير أنه لا يجب أن يقتصر على ذلك، إنما على تعامل العرب مع الأقليات الإثنية والطائفيّة وعن الفشل في بناء دولة المواطنين الحديثة.

أما إن كانت "إم بي سي" ستقدّم هذه الصورة، فهذا نقاش آخر.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"