مع خالص الشكر لكورونا

مع خالص الشكر لكورونا

رامي منصور

سريع الاشتعال... سريع الاحتراق

"ذاب الثلج وبان المرج"، هذه خلاصة الأشهر القليلة الماضية. فها هو الربيع يحل، ومعه انكشف ما صدحوا رؤوسنا به في السنة الأخيرة. سقط مشروع اللهاث خلف بيني غانتس بحجة إسقاط بنيامين نتنياهو والتوصية عليه مجانًا عمليًا؛ ليوجه صفعة مدوية لجهابذة العمل السياسي في الداخل. في أي نظام ديمقراطي أو سليم، يتلو الإخفاقَ التنحي أو التواضعُ والعودةُ للصفوف الخلفية، أي العودة للحجم الطبيعي. مهما نفخ الإعلام بشخصيات ما، إلا أنها تتبخر وتتطاير مثل البالون الذي قرر حامله التخلص منه. مهما كبر البالون يظل أداة للزينة أو اللهو أو التهريج. مصير البالونات الحتمي هو الانفجار دون ارتدادات أو التنفيس والارتطام بالأرض مثل الشريطة. كتب عبد الرحمن منيف في إحدى رواياته إن "الشرق" مثل الشُهب، سريع الاشتعال، سريع الاحتراق.

من راهن على بيني غانتس عليه التواضع وأخذ خطوة أو خطوتين للخلف، لأن حراكه في السّنة الأخيرة ينطبق عليه القول "فُل غاز في نيوترال"، أو "نسمع جعجعة ولا نرى طحينًا". هذه الخلاصة: سريع الاشتعال، سريع الاحتراق.

وقت الجد

أكّدت أزمة كورونا الحالية أن وقت الجد والأزمات، لا شيء يعوض عن التنظيم الجماعي والعمل المهني والعلمي والتخطيط المستقبلي. كل "فزعات" الفيسبوك المباشرة لا قيمة لها، فهي مثل الشهب. سريعة الاشتعال، سريعة الاحتراق. لا تحمي صحة الناس ولا توفر لهم الدواء أو مكان العمل، وحتى قاصرة عن القيام بالدور التوعوي السليم وتخلق حالة هيجان وبلبلة غير مسؤولة.

أثبتت أزمة كورونا أن القائمة المشتركة ليس بمقدورها أن تكون مشروعا بديلا للتنظيم الجماعي القومي، أي ليس بمقدورها أن تكون بديلا للجنة المتابعة واللجنة القطرية، وتبيّن بأحسن الأحوال أن عملها هو مطالبات أمام الوزارات والجهات المعنية، أي أنها ذراع لا أكثر. "فزعات" الفيسبوك مباشر لا تنظم الناس ولا تضع لهم إستراتيجية مواجهة الأزمة. لا يمكن إنكار النشاط اللافت والمثابر لعدد من نواب المشتركة، الذين يعملون بهدوء وبلا "فزعات" فيسبوكية خاوية إلا من حب الظهور والنجومية. يستحق نواب في المشتركة التقدير على نشاطهم، لكن في الحقيقة ثبت أن إدارة الأزمة لا يمكن إلا أن تكون من خلال مؤسسات وطنية منظمة. لذلك، من يدير الأزمة في المجتمع العربي هي الأطر واللجان المنبثقة عن لجنة المتابعة، لأنها تعمل بشكل مهني وعلمي. هؤلاء بمقدورنا الثقة بهم، لأن معاييرهم مهنية وعلمية، ليست شخصية أو شعبوية، وعلى هذا يجب المراكمة مستقبلا.

فمثلا، تبيّن أن جمعية "الجليل" التي تعمل منذ عقود بهدوء وبعيدًا عن الأنظار، أصبحت بمثابة وزارة الصحة والبيئة في المجتمع العربي. أما "ائتلاف جمعيات" دعم بيني غانتس، الذي صرف الملايين في السنة الأخيرة، تبيّن أن جمعيّاته لا وجود لها تنظيميًا، وليس بمقدورها أن تفيد مجتمعها في ظل الأزمة. ليست جمعية "الجليل" وحدها التي تستحق التقدير بالطبع، فهناك جمعيات نسوية وأطر محلية اجتماعية في كل بلد وبلد، ولكن جمعية الجليل هي نموذج للمؤسسة المهنية والعلمية التي نكتشف ثمنها في الأزمات. هي نموذج حقيقي للعمل الأهلي والمدني المهني، الذي لا يصرف الميزانيات على الترويج في "فيسبوك" لفعاليات وهمية لتبرير وجودها عند الممولين. هذا النموذج من العمل المهني يستحق المراكمة والتطوير ولولاه لا ندري كيف كانت ستدار الأزمة. أما "ائتلاف جمعيات" دعم بيني غانتس، فبانتظار خروجها من الحجر الصحي.

لذا، بات من الضرورة دعم وتقوية لجنة المتابعة كمؤسسة قومية جامعة، ولا يحتمل ذلك تأجيلا، ويجب تعزيزها بطواقم مهنية، ولتلعب المشتركة لعبتها برلمانيا، فلا بأس في ذلك.

وبات من الضرورة أيضًا، إعادة المعنى للعمل الأهلي والمدني في مجتمعنا، لأن في وقت الجد، وقت الأزمات، تبيّن أن مؤسسة أهلية علمية مهنية أفضل من مئة جمعية تتميز بقدرتها المتواضعة على إدارة الحملات الفيسبوكية. وقت الأزمات الحقيقية، تبيّن أن لا بديل للمؤسسات الوطنية الجامعة والمهنية، وهذا ما حاول بعض المتنفذين في المشتركة تهميشه في السنوات الأخيرة، والتعويل على جمعيات التعايش وما يسمى العمل اليهودي العربي المشترك. من حاول تهميش العمل الأهلي الوطني، همشته الأزمة وبات مثار تندر وسخرية، لأنه ظهر مثل مختار "ضيعة ضايعة"، تعرفونه أكيد.