دونية المستعمَر في السخرية من حركة المقاطعة

دونية المستعمَر في السخرية من حركة المقاطعة

حيدر عيد*

من المفارقات الكولونيالية أن تقوم الضحية بمهمة الدفاع عن الجلاد المستعمِر سواء بطريقة مباشرة وفظة، أو بطريقة ملتوية. الحالة الأولى تسمى، من قِبَل جميع الأطراف وبلا أي لُبس؛ عمالة. ولكن المشكلة تكمن في الحالة الثانية حيث يتقمص العبد شخصية السيد ويتبنى بالكامل، قضاياه والدفاع عنه، ويُبدي استعدادا للموت من أجله.

تذكرت هذه المعادلات "الفانونية" حينما شاهدت فيديو لشخصيات فنية وإعلامية فلسطينية من مواطني إسرائيل يعملون في قناة "مكان" الإسرائيليّة الناطقة باللغة العربيّة، ويشاركون بالتمثيل في مسلسل "فوضى" التطبيعي. ويهاجمون بطريقة هزلية حركة المقاطعة الفلسطينية بسبب نضالها لمنظومة الاضطهاد المركب الذي تمارسه دولة الاستعمار والأبارتهايد التي يقومون بخدمتها، بل ويفتخرون بذلك. مثل هؤلاء "العرب" المتأسرلين، هدفهم الأسمى هو أن يتم قبولهم في مجتمع عنصري، أي مجتمع الأسياد الأشكناز.

ليس بغريب أن يتم توظيفهم في مكان تُشرف عليه مؤسسة أمنية إسرائيلية مهمتها نشر بروباغندا ترويجية تعمل على تبييض وجه النظام الملطخ بدماء أخوة وأخوات هذه الثلة الفاقدة لكل ما ينتمي لشعب يعاني اضطهادًا مركبًا: احتلالٌ عسكري، وأبارتهايد، واستيطان، وتطهير عرقي، وإبادة جماعية بطيئة كما يحصل الآن في غزة.

كيف يمكن لهؤلاء التغاضي عن المعاناة الجماعية الهائلة التي يعاني منها مَن مِن المفترض أن يكونوا أهلهم، والترويج للقاتل، وجزء من شعبهم هم القتلى، وتمجيد الجريمة التي تنفي وجودهم وتشعرهم "بالفخر". كل هذا إن دل على شيء فهو أننا يجب أن ندرس تجارب الشعوب الأخرى التي عانت ويلات الاستعمار، الكولونيالي منها بالذات، وأن نعمل على عزل من يختار أن يعمل لصالح المضطهِد الكولونيالي.

من المعلوم مدى قلق المؤسسة الحاكمة في إسرائيل من إنجازات حركة المقاطعة العالمية ذات القيادة الفلسطينية، وقد تجسد ذلك في مجموعة من القرارات التي اتخذتها الحكومة اليمينية المتطرفة ووصلت حد التهديد "باغتيال مدني" لنشطاء الحركة، ولكن أكثر ما توليه وزارة الأمن العام الإسرائيلي اهتمامًا هو حملة "الهاسبراة" التي من ضمن نشاطاتها التركيز على تسويق صورة إسرائيل كدولة "ديمقراطية، مُحبّة للسلام" متعددة الثقافات والأجناس، فيها تسامح ديني، وتدعي "المساواة"، وتفنيد ادعاءات العنصرية التي توصف بها.

وبالتالي، تُعوّل إسرائيل على بعض الأصوات النشاز من سكان الأرض الأصلانيين، ممن ارتضوا على أنفسهم القيام بدور "عبد المنزل" الذي يستبسل لإبراز الوجه "الحضاري" لإسرائيل، وهذا بالضبط ما كان يفعله نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا من خلال ضم لاعب أسود لفريق رياضة الرِّغبِي الوطني في محاولة لغسيل جرائمه البشعة وتبييض وجهه العنصري.

إن حركة المقاطعة التي يقومون بالسخرية منها تعبّر عن حالة إجماع وطني غير مسبوقة. تأسست الحركة عام 2005 حيث قامت قطاعات عريضة من المجتمع المدني تمثل كل فئات ومكونات الشعب الفلسطيني، بإصدار نداء يعبر عن فهم تاريخي لتجربة النضال الفلسطيني الطويلة واستيعاب لدروس التجربة الجنوب أفريقية، وبالأخص مواجهة المجتمع الدولي بواجباتهِ والشرعية التي يدعي أنه يقوم على أساسها. ويطالب هذا النداء بحقوق شعبنا الأساسية وأهمها: إنهاء الاحتلال الاستيطاني، وتطبيق قرار الأمم المتحدة 194 الذي ينص على عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي اقتلعوا وهُجّروا منها عام 1948، وإنهاء القوانين والسياسات العنصرية الممأسسة ضد فلسطيني/ ات الـ48. ولكن يبدو أن لدى البعض مشكلة مع أن تتم المطالبة بمساواتهم بسيدهم الأشكنازي الأبيض.

وكما كتبت في سياق منفصل، فإن المستعمر، نجح في خلق نوعين من العربي؛ العارف بالجميل والناكر له. فهناك "العم توم"، "العربي الطيب" العارف بالجميل الذي يسعى فقط لإرضاء السيد الإسرائيلي، وهؤلاء ليسوا مطبعين بالفطرة، إلا أن علامات الوعي الزائف الممزوج بعقدة دونية مستأصلة تبدأ بالظهور عليهم ولكنهم، وللمفارقة، يعارضون جملة وتفصيلًا وصفهم بأنهم مطبعين لصالح القمع والفصل العنصري والاستعمار، وبالتالي يصبح هدفهم، بعد قبول البعض منهم لعب دور "العربي الشرير" في مسلسل (فوضى) الذي يطبع القتل والحصار الإبادي، وتذويت عقدة الدونية من خلال العمل في جهاز بروباغندا يوصم كل أشكال المقاومة التي يمارسها أبناء جلدتهم بالإرهاب، بالإضافة إلى الانضمام لجوقة مهاجمي حركة مقاومة شعبية أثبتت نجاحها في قض مضاجع منظومة الأبارتهايد والاستعمار.

أن تقف بعض الأصوات موقفا معاديا للحقوق الأساسية لأبناء جلدتها، بل وتساهم في شيطتنهم، هو أفضل هدية للسيد الأبيض المحتل. لا شك في أن أمثال الجنوب أفريقي، منغستو بوثوليزي، وأقرانه من قيادات البانوتستانات الجنوب أفريقية، كانوا سيعجبون بالفيديو ويصفقون "للفنانين الفلسطينيين" على أدائهم المميز في خدمة الدولة التي يتمتعون بمواطنتها، وإن كانت مواطنة درجة ثالثة.


* محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية "الشبكة"، وأستاذ جامعي في جامعة الأقصى- غزة.

اقرأ/ي أيضًا | أفكار متشائلة من غزة غير القابلة للحياة!

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"