حول قرار العودة للتعليم: حيثيات، ملاحظات واقتراحات

حول قرار العودة للتعليم: حيثيات، ملاحظات واقتراحات

د. شرف حسّان

منذ بداية الأزمة، اعتمدت لجنة متابعة قضايا التعليم العربي والهيئات العربية المختلفة على توصيات لجنة الصحة القطرية المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا كمرجعية مهنية لاتخاذ قرارات في مجال التعليم. كما أن خيارنا الإستراتيجي في مواجهة الأزمة، هو العمل بشكل منظم وجماعي وتنسيق كامل بين الهيئات والاعتماد على الحوار البناء والتوصيات المهنية وأخذ مسؤولية على واقعنا والمبادرة وعدم التوقف عند مرحلة المطالبة بالحقوق ونقد السلطة وممارستها العنصرية المعهودة غير المفاجئة. في هذه المسألة، لا بد من الإشارة إلى القفزة النوعية التي حدثت وعلى الدور الهام الذي لعبته الهيئات والأطر العربية المختلفة.

ولا بد، في هذا النقاش، من الإشادة بلجنة الصحة القطرية ودورها الهام وتوجيه الشكر لكل أعضائها، فهي مكوّنة من شخصيات مهنية ومتفاعلة وملمّة بما يجري في الحقل ومن مختلف التخصصات، تعملُ بشكل تطوعي من أجل مجتمعنا. وجود مرجعية كهذه هو ذخر لمجتمعنا. في غياب مرجعية كهذه وفي ظل استمرار سياسة التهميش والتمييز الحكومية وعدم الثقة بالمؤسسة الحاكمة، كان من الممكن أن نتصرف في هذه الأزمة بشكل فوضوي وليس بشكل جماعي ولذلك مردود سلبي علينا جميعًا.

قبل تفصيل الحيثيات، مهم الإشارة إلى إنه مع بدء ظهور مؤشرات حول انحصار انتشار الوباء بشكل عام وفي مجتمعنا، بدا واضحا أنّ هناك ثباتا للمعطيات في معظم قرانا ومدننا العربيّة، وفي خضم النقاشات حول العودة إلى الحياة الطبيعية في مجتمعنا، بما في ذلك في المجال التربوي، طُرح سؤال: هل من المنطق استمرار اتخاذ قرارات عامة وجارفة تنطبق على جميع البلدات دون علاقة للمعطيات المختلفة فيها؟ لماذا لا يتم اعتماد سياسة تفاضلية تأخذ بعين الاعتبار المعطيات والظروف المختلفة بين البلدات وحتى داخلها؟ ففي معظم البلدات هناك انحصار للمرض وثبات، بل أنه في 14 بلدة لم تكن هناك أيّة إصابة. البعض اعتقد أن مجتمعنا جاهز للانتقال لمرحلة اتخاذ خطوات على أساس تفاضلي وإبقاء القرار للمرجعيات المحلية لهذه الخطوة منذ أسبوعين أو أكثر والبعض الآخر قال ذلك في الأسبوع الماضي.

لجنة الصحة اعتقدت أنها بحاجة إلى وقت إضافي كي تتأكد من ثبات المعطيات وانحسار المرض وغيرها من مؤشرات مطمئنة، فجرى تعطيل التعليم العربي رغم عودة المدارس اليهودية والضغط الذي جاء من قسم من بلداتنا التي فيها مؤشرات إيجابية. تقرير لجنة الصحة الأخير، الذي كتب منتصف ليلة 5.5، يبشر بأنّنا وصلنا إلى مرحلة تمكننا من اتخاذ قرارات على أساس تفاضلي، شريطة الالتزام بالتعليمات وعدم الاستهتار بالمرض الذي قد يرافقنا لفترة طويلة، ومن الممكن أن ينتشر مجددًا في حالة عدم الالتزام بالتعليمات.

هناك أثمان باهظة دفعها مجتمعنا منذ وقف التعليم في المدارس قبل حوالي الشهرين. فنصف الطلاب وربما أكثر منقطعٌ عن التعليم بسبب عدم امتلاكه للحواسيب وعدم توفر الشروط لنجاح التعليم عن بعد وارتباط ذلك بالأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية التي لها بالغ الأثر على الأطفال ووضعهم التعليمي. هذا الثمن أخذ بالارتفاع مع تواصل الأزمة، خصوصًا أن الحكومة لم تعط حلولًا، فلم تزوّد الطلاب بالحواسيب ولم توصلهم بالإنترنت ولم تقم بطرح حلول ملائمة للمشاكل المتعلقة بعدم تحضير مدارسنا ومعلمينا للتعلم عن بعد وللفجوة في المضامين التربوية الرقمية باللغة العربية وما إلى ذلك. هذا الواقع سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين التعليم العربي والتعليم اليهودي، إضافة إلى الفجوة داخل مجتمعنا العربي بين الطلبة من الطبقات الاجتماعية التي تمتلك الوسائل للتعلم والطرق للتأقلم وسد الفجوة التعليمية، وبين الطلبة من طبقات اجتماعية ليس لديها هذه الوسائل. هناك شريحة واسعة من طلابنا من الصفوف المعرفة كصفوف التحدي التي وفّرت برامج خاصة بفئات طلابية كان من الممكن أن تتسرب من المدارس. بالذات هذه الفئة كانت منقطة أو شبه منقطعة عن المدارس في هذه الفترة، وهذا سيؤثر مستقبلا عليها. عودة هذه الفئة من الطلاب إلى المدارس في أسرع وقت هو أمر ضروري من الدرجة الأولى.

إضافة إلى كل هذا، هناك أثمان دَفَعَها قسم من الأطفال بسبب الضغوطات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فهناك مؤشرات خطيرة حول ازدياد خالات العنف في العائلات العربية وما إلى ذلك من معطيات لا يمكن تجاهلها.

لذلك، في هذه الوضعية المركّبة، كل قرار هو صعب وتبقى الحكمة في محاولة إيجاد توازنات منطقية بين كل هذه الاعتبارات.

اتخاذ توصية بعودة المدارس يتطلب وجود شرطين:

الأول: هو وجود توصية واضحة من لجنة الصحة القطرية. وقد جاءت هذه التوصية في تقرير اللجنة الأخير "من الممكن الرجوع التدريجي لطلاب المدارس في البلدات العربية (ابتداءً من تاريخ 10.5.2020) وفق النظام والتعليمات التي صدرت عن وزارتي الصحة والتربية والتعليم في جميع البلدات باستثناء البلدات التي يتواجد بها عدد كبير من الاصابات أو نسبة التزايد فيها مرتفعة (البلدات الحمراء) وهي بلدتي دير الأسد وحورة حيث توصي اللجنة بالتريث في عودة الطلاب في هذه البلدات".

الثاني: جهوزية المدارس والتزامها بالتعليمات، وهنا أريد أن أشدّد على أن تجهيز المدارس وتوفير جميع الشروط المطلوبة حسب التعليمات هو شرط لافتتاح المدارس.

المسح الذي أجرته هيئة الطوارئ العربية الأسبوع الماضي، أشار إلى درجة جهوزية منخفضة في قسم كبير من البلدات كما أظهر أن هناك اختلافا من بلد لآخر.

المسح الذي أجري يومي الإثنين والثلاثاء تحضيرا للاجتماع الذي أقر التوصية بعودة المدارس، أظهر أن تقدمًا واضحًا وملموسًا قد حدث في تحضير المدارس وان غالبية المدارس جاهزة بشكل كامل وقسم منها بشكل جزئي وان هناك عدة أيام ممكن مواصلة التجهيزات فيها. علمًا أن هذه الخطوات التحضيرية قد بدأت فعليا منذ أكثر من أسبوع حسب توجيهات وزارة التربية.

الأسبوع الذي تجدد التعليم في الوسط اليهودي وتم تأجيل ذلك في مجتمعنا بتوصية مشتركة للهيئات العربية، كان هامًا، من حيث أن الوزارة أعطت فيه أجوبة لقضايا كانت ما زالت مفتوحة وأعطى فرصة للطواقم العربية لدراسة التعليمات وكذلك أوجدت حلولا لبعض المسائل. وكنت قد طالبت، أيضًا، باستغلال هذا الأسبوع لمواصلة تحضير المدارس. ممكن الافتراض حسب معرفتنا بواقعنا وبمؤسساتنا وحسب المساحات أن هناك اختلافا من حيث الجهوزية.

هناك اختلاف، أيضًا، بين المؤسسات العربية من حيث ظروف المباني فقسم كبير منها لديه الساحات والصفوف الملائمة التي تمكن من تطبيق التعليمات بشأن البعد بين الطلاب، وقسم معين لا تتوفر فيه هذه الشروط بالذات في منطقة الجنوب. ففي القسم الذي لا يملك الشروط الملائمة من حيث المبنى وظروف مبنى المدرسة وكثافة الطلاب فيها لا تمكن من توفر الشروط، فلا يمكن تجدد التعليم فيها وعلى وزارة التعليم أن تجد حلولًا مناسبة.

لا بد هنا من احترام وتقدير قرار لجنة الرؤساء باستثناء التعليم من إضراب السلطات المحلية العربية العادل بسبب سياسة التمييز الصارخة والتي تتجاوز بوقاحتها كل الحدود. هذا الموقف يحسب لكم. وبهذا الخصوص يجب الوقوف مع السلطات المحلية ودعم الإضراب وتوسيع رقعة الاحتجاج الجماهيري وبالأساس في الشارع.

ومع ذلك، إضراب السلطات المحلية ممكن أن يؤثر رغم استثناء موظفي المدارس. لذلك واجب مديري المدارس ولجان الأهالي التأكد من الجهوزية في كل مدرسة.

هذه الحيثيات دفعت، أيضًا، باتجاه اتباع سياسة تفاضلية ملخصها أنه أينما تسمح الظروف الصحية بتجدد التعليم (جميع البلدات باستثناء البلدات المصنفة كحمراء) وتستوفي الشروط وفق التعليمات الوزارات الحكومية فيمكن عودة الطلاب ابتداء من يوم الأحد.

اقتراحات وتوصيات

مهم جدًا، برأيي، قيام مديري ومديرات المدارس بإشراك لجان الأهالي في عملية التحضير. ثقة الأهالي بالمدرسة هي أمر أساسي ووجود حوار بناء بين الأهالي والمدرسة والمعلمين والتعاون بينهم هو ضرورة بالذات في فترات الأزمات.

خوف الأهالي على الأبناء مفهوم جدًا ومبرر. يجب أخذه على محمل الجد من قبل

المسؤولين وأقترح على الأهالي اعتماد المنطق العلمي والمهني في اتخاذ القرارات والتعمق في دراسة المعطيات كافة من مصادر موثوقة، فأرى الكثير من النشرات والمنشورات التي تشمل معطيات ليست دقيقة.

على المدارس والمعلمين وضع برامج بالذات في الأسبوع الأول يضع في المركز احتياجات الطلاب النفسية والاجتماعية وجعلهم شركاء حقيقيين في العملية التربوية، وبذل جهود كبيرة في التوعية للالتزام بالتعليمات من قبل الاهالي والطلاب؛ كذلك الالتزام الكامل بالتعليمات في المدارس من قبل الجميع وبشكل خاص عدم حضور طلاب ومعلمين وعمال من مجموعات الخطر؛ التفكير بحلول إبداعية للمشاكل التي قد تظهر.

الكثير من الأمور في هذه الحالة بقيت للاعتبارات الشخصية والمحلية وهذا مشروع جدًا فنحن نعيش مرحلة مركبة.

تحمل كل أزمة في طياتها إمكانيات وفرصا للتغيير. لنستغل هذه الأزمة في تغيير توجهاتنا للتعليم وتطويره نحو الأفضل. هذه الأزمة العالمية لها خصائص كثيرة لم نعرفها من قبل، سيعلمنا التاريخ، في ما بعد، إذا كنا سنتحدث عنها بمفاهيم ما قبل "كورونا" وما بعدها أو إذا كانت ستغرس في ذاكرتنا كسنة "كورونا"، أم أن المستقبل القريب سيحمل لنا في طياته أحداثًا أكبر.


الكاتب هو رئيس لجنة متابعة قضايا التعليم العربي