رامي مخلوف والثورة المغدورة

رامي مخلوف والثورة المغدورة

عوض عبد الفتاح

منذ أسابيع تدور دراما علنية داخل النظام السوري، وتحديدًا داخل عائلتي النظام، كشفت ما كان معروفًا للكثيرين عن حجم الفساد، والذي بالضرورة يكون مترافقًا مع الاستبداد والتسلط والتنكيل بكل من يعترض عليه. هذه هي الخلفية السياسية الاقتصادية الاجتماعية التي تفسر انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس عام 2011. ولم يعد يستطيع من ناصر سلوك النظام ضد الثورة تجاهل أو إنكار هذه الحقيقة المرة. فالرجل الذي كان يتردد اسمه قبل الثورة على ألسنة المعارضين، وغالبية الشعب السوري، رامي مخلوف، كأحد أكبر الفاسدين والمحمي من النظام، يخرج إلى العلن ويتحدث بلسانه وبصورته. كما شنت وسائل إعلام الحليف الروسي، ومنها قناة "روسيا اليوم" الحكومية، هجومًا كاسحًا على فساد النظام، وتحدثت تقارير عن نفاد صبر القيصر بوتين من بشار الأسد نفسه، باعتباره غير قادر على إدارة البلاد، والانتقال اإى مرحلة ما بعد الحرب، والمساعدة في تحقيق أهداف الدولة الروسية.

لم يأت تجاوب القيصر الروسي مع توجه القيادة الإيرانية والنظام السوري للتدخل في الحرب عام 2015، بعد أن كان النظام على حافة السقوط، على حد قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، سوى لأهداف إستراتيجية خاصة بروسيا، وليس تعاطفًا مع حق الشعب السوري في العدالة والمساواة والديمقراطية والحرية، ولا حتى حماية سورية من العدوان الصهيوني المتكرر والمهين.

لم تُظلم ثورة عربية بالقدر الذي ظُلمت فيه الثورة السورية. فالثورات العربية الأخرى، وتحديدًا موجتها الأولى، التي تعرضت إلى وحشية متفاوتة، حظيت بتأييد شعبي عارم ومن القوى الديمقراطية والقومية واليسارية والدينية الوسطية. ما معناه لم تتعرض لحملات التشويه ونزع الشرعية عنها إلا على يد أبواق الأنظمة الرسمية. لقد شكل ولا يزال يشكل موقع سورية الجيوسياسي ودورها الممانع، أحد أهم الأسباب وراء اصطفاف أوساط قومية ويسارية إلى جانب الاستبداد، والتخلي عن الشعب وقيادات الثورة الشبابية.

تُعيد قصة رامي مخلوف التأكيد لنا على أن سبب اشتعال الثورة السورية، كما هو السبب في بقية الثورات العربية، الفساد والاستبداد والقمع الوحشي، والظلم الصارخ المتراكم على مدار عقود. فالشعوب العربية بفئاتها المسحوقة والمهمشة، وفي القلب منها جموع الشباب، خرجت بشجاعة قل نظيرها إلى الشوارع والميادين والشوارع عارية الصدور، لتستعيد دولها من المافياوات التي حولتها إلى مزارع خاصة، ولتمتلك مصيرها وليس نتيجة مؤامرة. كان أواخر عام 2010 لحظة تاريخية غبر مسبوقة في تاريخ حركة الشعوب العربية، انتقلت فيها عدوى الثورة من بلد عربي إلى آخر، ودخلت في معركة كرٍّ وفر، بين الثورة والثورة المضادة، لا يزال أوارها متقدًا حتى اللحظة. وستظل الثورات تتجدد ضد أنظمة الاستبداد وضد القوى الدينية الفاشية، مثل "داعش" وغيرها، طالما لم تزل الأسباب التي كانت وراء الموجة الثورية الأولى. وهذا التجدد نشهده في الجزائر، والسودان، والعراق ولبنان. وما نراه في السعودية من حملات قمع وحشية، إلا محاولات لوأد انفجار شعبي محتمل.

لقد بدأت الثورة السورية كبقية الثورات العربية، شعبية سلمية لستة أشهر تقريبا، داعية إلى الإصلاح قبل أن تتحول إلى مطلب إسقاط النظام. لكن منذ اليوم الأول، جرى التعامل معها بالحديد والنار، وتحول القمع فيما بعد، بل اتخذ شكل المجازر، حيث حصدت قوات النظام المتظاهرين بأعدادٍ مهولة. كانت الوحشية تفوق الخيال. وهنا تكمن عظمة وجبروت هذه الثورة والشجاعة النادرة في مواجهة نظام يعرف بشراسته ووحشيته ضد المعارضين، تاريخياً، وبدون استخدام السلاح من المتظاهرين في الميادين. وأكثر ما أظهرته الفترة السلمية الأولى، هو الإبداع الخارق الذي أظهره الشباب السوري في إدارة الثورة، من خلال إنشاء التنسيقيات في مختلف المدن والقرى، ومن خلال المظاهر الثقافية والفنية وأشكال التنظيم الاجتماعي الراقية. وكان يمكن أن يكون هذا النموذج التنظيمي الشعبي ملهمًا لشعوب عربية أخرى، تتوق للحرية والكرامة.

أما الظلم الثاني الذي لحق بالثورة السورية، فهو قيادات المعارضة غير المتواجدة على الأرض وبين الثوار، التي كانت من المفترض أن تشكل مظلة سياسية للثورة وسندًا لها. غير أن سلوك هذه القيادات (سواء من حركة الإخوان المسلمين أو القوى والشخصيات العلمانية) أيّ عجز بعضها وانتهازية بعضها الآخر، وارتماء بعض آخر في أحضان قوى خارجية، إقليمية ودولية، ساهم في تحويل الثورة إلى حرب أهلية، وإقليمية ودولية بالوكالة. لقد باتت المسألة السورية خارج سيطرة النظام والمعارضة؛ فالمحاولات القديمة والحديثة، المتعثرة والجارية، لإنهاء المقتلة السورية، تقوم بها قوى دولية وإقليمية ومن دون العرب، وجُل همها تقاسم الغنائم والنفوذ، وتحديدًا بين روسيا وأميركا وإيران وتركيا. أما حقوق ومصير الشعب السوري، الذي يمرُّ منذ عشر سنوات بكارثة مهولة من قتل وسجن وتعذيب وتشريد ولجوء، فتأتي بالدرجة الثانية أو الثالثة.

مع ذلك، قد تفتح هذه التطورات أفقًا جديدًا لتحريك المسار السوري باتجاه إخراج سورية وشعبها، هذا البلد العزيز وهذا الشعب الغالي، من براثن الكارثة الإنسانية والاجتماعية، والبدء بمرحلة الانتقال السياسي والوطني، وبناء سورية الدولة الديمقراطية نحو الداخل، والقادرة على حماية نفسها وشعبها من الخارج، ومن العدوان الصهيوني المتكرر.