فلويد والحلاق.. لماذا تعمّ المظاهرات أميركا وفلسطين لا؟

فلويد والحلاق.. لماذا تعمّ المظاهرات أميركا وفلسطين لا؟

سليمان أبو ارشيد

بعد القضاء على السكان الأميركيين الأصليين في أبشع عملية إبادة جماعية عرفها التاريخ، ارتكب المستعمر الأبيض جريمته الثانية التي تمثلت بنقل ملايين الأفارقة بعد اقتلاعهم من بلادهم الأصلية وتحويلهم إلى "عبيد" في مزارع التبغ والقطن والسكّر التابعة لمستعمراته.

الجريمة الأولى كانت الفتك بمئات الملايين من البشر من خلال عمليات التدمير والقتل الجماعي أو عبر نقل الأمراض التي حملها ونشرها المستعمرون البيض بين السكان الأصليين مستغلين افتقارهم للمناعة المكتسبة التي تمتع بها المستعمر الأبيض، وفي هذا السياق يشير العديد من المصادر إلى أنّ الأوربيين جلبوا معهم الأمراض كوسيلة حرب بيولوجية، حيث حصدت أوبئة الجدري والحصبة والطاعون والكوليرا والتيفوئيد والدفتيريا والسعال الديكي والملاريا وغيرها السكان الأصليين، الذين كانوا يوزعون عليهم الألحفة والأغطية الحاملة للأمراض عمدًا بهدف نشر العدوى بينهم.

أما الجريمة الثانية فتمثلت باستجلاب "نوع آخر" من البشر وتحويلهم إلى "عبيد" في الأرض التي جرى الاستيلاء عليها بعد القضاء على أصحابها (سكان البلاد الأصليين)، حيث تفيد المصادر أنه جرى بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر نقل 12 مليون أفريقي إلى الأميركيتين.

كما شهدت الفترة الواقعة بين أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر حلول "العبيد" محل عمال الأجرة في العديد من المستعمرات الأميركية، وأصبح منزل "بورجيسيس" رمزا جديدا للعبودية في عام 1705، وأوّل جمعية تشريعية تجمع بين التشريعات القائمة في القرون السابقة، مع إضافة مبدأ تفوق العرق الأبيض وهيمنته على العرق الأسود، وهو ما اعتبر أول تشريع للعنصرية التي ما زال يعاني منها السود في أميركا حتى يومنا هذا.

ورغم إعلان الرئيس الأميركي، أبراهام لينكولن، رسميًا، عن "تحرير العبيد" عام 1863، بقيت ما تسمى "قوانين جيم كرو" للحرمان والفصل العنصري سيفا مسلطا على رقاب الأفارقة الأميركيين سارية المفعول، فظل الحرمان في ولايات الجنوب من التصويت والحرمان من الفرص الاقتصادية والموارد على الصعيد العام قائما، إلى حين صدور قانون الحقوق المدنية لعام 1964 الذي حظر التمييز في الأماكن العامة، العمل، والنقابات العمالية، وقانون حق التصويت 1965.

ورغم دخول باراك أوباما إلى البيت الأبيض كأول رئيس أميركي من أصول أفريقية عام 2008 وخروجه منه عام 2016، إلا أنّ الفقر والتهميش وتدني مستوى التعليم وتفشي العنف والجريمة لا تزال تضرب في أوساط السود، حيث تراوح نسبة الفقر الـ25% بينما يبلغ معدل دخل الفرد نصف دخل الفرد من ذوي الأصول الأوروبية.

كما أنهم ما زالوا يُقتلون ويعذبون على أيدي الشرطة الأميركية، مثلما حدث مع جورج فلويد دون أيّ ذنب سوى أنهم أصحاب بشرة سوداء، حيث تشير معطيات عام 2015 إلى قتل حوالي ألف شخص منهم على يد الشرطة في سنة واحدة.

وفي المشترك بين الواقعين تحت سياط الظلم في هذا العالم هناك الكثير من أوجه الشبه بين قتل جورج فلويد على أيدي الشرطة العنصرية في أميركا وبين قتل إياد الحلاق على أيدي شرطة الاحتلال في فلسطين، رغم التباين السياسي بين حالتي فلسطين وأميركا.

وإن اختلفت الأهداف بين المساواة المدنية هناك والتحرر الوطني هنا، فالظالم واحد ومثلما توجد سياسة مشتركة مجدولة بحبل المصالح الاستعمارية تربط واشنطن بتل أبيب، هناك وشائج مشتركة تربط بين مقاومة الواقعين تحت الظلم في أميركا وفلسطين وغيرهما من البقاع التي تبحث عن الحرية في عالم يتغول فيه منطق القوة والاستكبار.

أما لماذا تعم المظاهرات أرجاء أميركا بينما يطبق الصمت على فلسطين فلأن السود الأميركيين هم جزء من النظام ومن العقد الاجتماعي الذي يجمع الأميركيين تحت مظلة ومواطنة واحدة يؤمنون بإمكانية تعزيزها وإعادة بنائها على أسس من المساواة المدنية بعد تنقيتها من شوائب العنصرية.

في المقابل، فإنّ الفلسطينيين لا يوجد أي مشترك بينهم وبين سلطة الاحتلال وشرطتها، وهم يرون بها سلطة وشرطة عدو اغتصب أرضهم واعتدى على حرماتهم ويواصل ترهيبهم، لضمان سيطرته على أرضهم ومقدراتهم، وبينما يسعى السود إلى إحداث تغيير من داخل الشرطة والسلطة، فإنّ الفلسطينيين يسعون إلى التخلص من سلطة الاحتلال وشرطته ودحرها عن أرضهم، وبين هذا وذاك المسافة بعيدة والأساليب مختلفة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"