الضم سيعيد معادلات إلى طبيعتها الأولى

الضم سيعيد معادلات إلى طبيعتها الأولى

من بين جنرالات الجيش الإسرائيلي القلائل الذين اتكأوا على رصيدهم العسكري في التحول إلى خبراء إستراتيجيين لهم مكانتهم المرموقة وكلمتهم المسموعة في القضايا الأمنية، الجنرال عاموس يدلين، الذي يشغل منذ عام 2011 منصب رئيس معهد "أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، والجنرال عاموس غلعاد، الذي يشغل منصب مدير معهد السياسات والإستراتيجية ورئيس مؤتمر هرتسليا.

ويستند يدلين، الذي أشغل في السابق عدة مناصب عسكرية أهمها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" والملحق العسكري في واشنطن ونائب قائد سلاح الجو الإسرائيلي، على رصيد مقداره 5 آلاف ساعة طيران و250 مهمة في سماء العدو بينها مشاركته في حرب أكتوبر 73، وحرب لبنان الأولى، وتدمير المفاعل الذري العراقي.

أما غلعاد، فيمتلك هو الآخر رصيدا لا بأس به في هذا المجال، حيث أشغل منصب رئيس القسم الأمني السياسي في وزارة الأمن الإسرائيلية ورئيس قسم البحث في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، ومنسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة، ومبعوثها إلى القاهرة، كما لعب دورا مركزيا في بلورة التفاهمات الأمنية مع السلطة الفلسطينية واتفاق التهدئة مع حماس وإبرام صفقة شاليط وإخراجها إلى حيز التنفيذ.

الجنرالان يدلين وغلعاد يعارضان كل من موقعه، نية حكومة بنيامين نتنياهو ضم منطقة الغور وسحب السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، مع الاتفاق على التحدي الإستراتيجي الأكبر الذي يواجه إسرائيل، حيث يميز يدلين، في هذا السياق، بين خطة ترامب ومقترح "مركز أبحاث الأمن القومي" الذي يدعو إلى التقدم في العملية السياسية بدعم إقليمي ودولي، وبين الضم الذي يحظى بمعارضة شديدة في العالم حتى بين أصدقاء إسرائيل المقربين، ويثير ردود فعل حادة من دول المنطقة، على غرار الأردن التي يربطها اتفاق سلام إستراتيجي مع إسرائيل، والإمارات التي يصفها بأنها تحمل اللواء الخليجي الداعي إلى شراكة جدية مع إسرائيل، في التصدي للتحديات التي تواجه المنطقة وعلى رأسها إيران وأذرعها، كما يدعي.

والأهم، من وجهة نظر يدلين، أن الضم الذي ينوي نتنياهو القيام به، يزيد من تشابك المجموعتين والكيانين وارتباط أحدهما بالآخر ويعرقل الفصل المستقبلي، بالمقابل فإنه سيضر بشكل أكيد بـ"صفقة القرن" الأميركية، ويكلف إسرائيل أثمانا سياسية وأمنية باهظة في المدى القريب والبعيد، ويبعد إمكانية التوصل إلى تسوية مستقبلية توطد إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية آمنة وعادلة.

أما الجنرال غلعاد، فيرى فضلاً عن المخاطر المستقبلية التي ينطوي عليها تنفيذ الضم، السياسية والأمنية، فإن التركيز المطلق لإسرائيل على الخطوة يمس بقدرتها على التصدي لتهديدات قائمة، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني.

ويرى غلعاد الضم بمثابة تخلي من قبل نتنياهو، في توقيت حرج، عن الوقوف في "جبهة الكفاح العالمي" ضد التهديد الإيراني، وهي السياسة التي ميزت إسرائيل في العقود الأخيرة.

وعوضا عن تجنيد العالم لوقف البرنامج النووي الإيراني، فإن إسرائيل تجبر حلفائها على توظيف طاقات وجهود كبيرة في محاولة لإحباط خطة الضم، في ضوء تعزيز توجه هذه الدول للاعتراف بدولة فلسطينية في حدود 67.

فضلاً عن ذلك، فإن دول الخليج التي شكل التهديد المشترك من جانب إيران المحرك الأساسي لتحسين علاقاتها مع إسرائيل والتعاون الهادئ معها، ستعيد حساباته على خلفية الضم.

وبالمحصلة، يقول غلعاد إنه لا يمكن لإسرائيل "أن ترقص في عرسين"، تضم وتتصدى للتحدي الإيراني في آن واحد ويبدو أنها اختارت الضم، وهي خطوة تنتج تحديات إستراتيجية متعاظمة على أمنها القومي، وتحول دون التركيز على التهديدات الملموسة المتصاعدة من جانب إيران، وأنها باختيارها الضم ستفوّت إسرائيل أحد إنجازاتها الإستراتيجية المركزية في مواجهة "التهديد الإيراني" على مدى السنين، وجعله مشكلة دولية وليست إسرائيلية فقط.

الخبيران الإستراتيجيان لا يريان فائدة ترتجى من ضم الأغوار، خاصة وأن الضم لا يغير من واقع السيطرة الأمنية على هذه المنطقة الإستراتيجية، القائم في ظل الاحتلال وضمن أي تسوية سياسية منتظرة، الأمر الذي يعري المضمون السياسي للقرار الذي يخدم فقط التوجه الديني الاستيطاني السائد في حكومة نتنياهو، وهو ما لا يثير الكثير من الحماس في صفوف حزب الجنرالات.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ