هموم نتنياهو... واختراع الجاليات

هموم نتنياهو... واختراع الجاليات

أمران يهمان بنيامين نتنياهو: موقعه في التاريخ اليهودي الصهيوني، ويشتق منه إلى حد كبير، الأمر الثاني: حربه للإفلات من لوائح الاتهام ضده بقضايا الفساد من خلال التمسك بالحكم، حتى لو كلف ذلك شق المجتمع الإسرائيلي وضرب مكانة مؤسسات القضاء وإنفاذ القانون والتشكيك في شرعيتها ونزاهتها.

الأمر الأول تحقّق بنظره إلى حد كبير؛ فقد استطاع حجز مكانة متقدمة في التاريخ اليهودي الصهيوني بعد أن استطاع الحصول على اعتراف القوة الأولى في العالم، الولايات المتحدة، بالرواية الصهيونية بشأن فلسطين وأحقية اليهود فيها تاريخيًا ودينيًا؛ بل أكثر من ذلك، استطاع إحداث تحول جوهري في "بردايم" (النموذج الفكري - براديغما Paradigm) الصراع في فلسطين دوليًا. فإذا كان "البردايم" الدولي ينظر إلى أن الصراع في فلسطين على أنه صراع حدود وأرض محتلة، فإن "صفقة القرن" التي صاغها نتنياهو إلى حد كبير، أحدثت تحولا في الصراع ونقلته من "بردايم" إلى آخر، بحيث أقرت الولايات المتحدة بأن فلسطين هي "ورثة يهودية" والقدس "عاصمة أزلية" لليهود، وليست موحدة وأبدية فقط، بل هي عاصمة منذ الأزل، ولأن اليهود "شعب الله المختار" فإنهم لن يقبلوا احتلال شعب آخر أو للدقة استعباد شعب آخر، لأن تاريخهم تاريخ تحرر من العبودية والملاحقة.

الانتقال من "بردايم" إلى آخر، في العلوم مثلا، لا يكون فوريًا وسريعًا، بل يحصل على مراحل وكذلك قاموسه، وغالبًا ما يواجه معارضة شرسة من "أسرى البردايم القديم"، لكن مجرد إحداث تحول في "البردايم" يعد إنجازًا بحد ذاته ويدشن لمرحلة جديدة مختلفة كلية وجذرية عما سبقها. لذا يجب التنبيه من خطورة البقاء أسرى "البراديم القديم" وعدم الانسياق خلف "البراديم الجديد" حتى لو كان على شكل مقاومة له وما سبقه.

إذًا، "صفقة القرن" هي محاولة خلق "بردايم" جديد للصراع في فلسطين بأنه ليس صراعًا، بل أن فلسطين كلها لليهود منذ الأزل، وليتكرموا بمنح الفتات للرعايا في وطنهم، أي الفلسطينيين. هذه عمليًا روح وجسد "قانون القومية" الإسرائيلي الذي يعتبر أن حق تقرير المصير هو حصري للشعب اليهودي، وكذلك الحقوق الجماعية فيها، وللفلسطينيين حقوقا فردية متساوية في أحسن الأحوال، وهو ما عبر عنه بيني غانتس مؤخرًا، عندما قال إن الفلسطينيين الذين سيشملهم الضم سيعيشون بمساواة مع اليهود، ولا يحدد طبيعة هذه المساواة، وهي ليست قومية أو وطنية أو جماعية بكل الأحوال.

هذا التحول في "البردايم" يؤكد أن "صفقة القرن" ليست مجرد خطة سلام أو "وعد بلفور" جديد. فالأخير كان عمليًا منح ترخيص للحركة الصهيونية للاستيطان في فلسطين، وذلك كجزء من المشاريع الاستعمارية للقوة الإمبريالية الأولى حينها، أي بريطانيا. "صفقة القرن" شيء آخر وإن كانت مكملة لذاك الوعد. هي تنقل الصراع إلى مستوى مختلف كليا، في صلبه أن فلسطين كلها لليهود، وأن الصراع ليس على الحدود أو بين حركتين قوميتين، بل هي تفسر التاريخ والسياسة بمصطلحات توراتية مخترعة أو محرّفة، ولا ترى صراعًا أصلا، بل مشكلة مُلاك ورعايا، وحل المشكلة يكون بتحسين ظروف الرعايا المعيشية بفصلهم عن حياة المُلاك. والمُلاك ليسوا مجرد ملاك، هم مُلاك بشرعية الملكوت.

أما على أرض الواقع، فإن فصل الرعايا بكيان سياسي عن المُلاك، يوفر على إسرائيل تهمة تأسيس نظام فصل عنصري، ويمنح الاستيطان والضم حصانة دولية أميركية، قانونية وسياسية. وهذا من أهم الإنجازات بنظر نتنياهو، كما صرح في أعقاب الإعلان عن "صفقة القرن".

الأمر الثاني الذي يهم نتنياهو، وهو لوائح الاتهام، فهو يخوض حربًا، بمعنى الكلمة، ضد المؤسسات القضائية وسلطات إنفاذ القانون، ولا يمكن تحديد كيف ستنتهي هذه الحرب، لكن المؤكد أنها ستنعكس بشكل جذري على طبيعة إسرائيل، سواءً لناحية إضعاف مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام والقضاء، أو لناحية ما يسمى الحيز الديمقراطي.

وكأنه خلاف

يستخدم الإعلام العربي مصطلحاتٍ وجملًا مثل "خلاف داخل الحكومة الإسرائيلية" بشأن الضم، وذلك بسبب التباين وليس الاختلاف في وجهات النظر بين نتنياهو وحليفه غانتس، حول توقيت الضم وشكله وحجمه. لكن رغم ذلك، لو أراد نتنياهو تنفيذ الضم اليوم فبمقدوره فعل ذلك، إذ إنه يحظى بأغلبية في الحكومة والكنيست لتشريع الضم والشروع به دون الحاجة لموافقة غانتس و"كاحول لافان"، حتى لو دفعه ذلك لخرق اتفاقية الائتلاف الحكومي مع غانتس. الأخير ينسّق مع مستشار ترامب وصهره، جاريد كوشنير، بشأن الضم وحجمه وتوقيته، ويتفق معه على أنه يجب أن يكون في إطار "صفقة القرن" كرزمة واحدة بما يشمل المفاوضات من أجل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وهو أكثر حساسية لموقف الأجهزة الأمنية التي تحذّر من عقبات الضم، كونه رئيسًا سابقًا لأركان جيش الاحتلال. يرى كوشنير أن تنفيذ الضم خارج سياق "صفقة القرن" يعني عمليًا الإجهاز عليها، وهو يريد الضم في إطار "الرزمة" كلها وبموازاة مفاوضات شكلية مع الفلسطينيين، فذلك أسهل أيضًا لحلفائه العرب ولا يفجر العلاقات الإسرائيلية – الأردنية، ولا يعزز قوة أو شعبية المحور الإيراني.

إذًا هو تباين في المواقف بين نتنياهو وغانتس، وهو انعكاس للتباين داخل الإدارة الأميركية بين كوشنير والسفير المستوطن ديفيد فريدمان. لكن حذار أن يعوّل العرب والفلسطينيين على غانتس مرة أخرى لإنقاذهم من ورطتهم. فقد جُرب بذلك قبل فترة قريبة والنتيجة معروفة وواضحة.

اختراع الجاليات اليهودية في الخليج

منذ بدء الحديث عن "صفقة القرن"، صار شائعًا الحديث عن "تعايش الأديان" في الخليج، وجرى اختراع شيء غير قائم في الواقع، وهو "الجاليات اليهودية في الخليج". لا توجد جاليات يهودية في الخليج، هناك ربما بضعة مواطنين ينتمون للديانة اليهودية.

أما الحديث مثلا عن جالية يهودية في الإمارات فهذه كذبة، الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة تعرف أنها كذبة، وأكد ذلك تقرير بثته مؤخرًا قناة "كان 11" الرسمية الإسرائيلية، التي أجرت مقابلة عن بعد مع أحد وجوه هذه الجالية المزعومة، وهو مواطن أميركي يهودي، وليس مواطنًا إماراتيًا، وتكشف لكنته الإنجليزية ومصطلحاته إنه إسرائيلي أو ربما عاش في إسرائيل سنوات طويلة.

هذه الجالية مخترعة وكذبة، وهي أساسًا عبارة عن رجال أعمال أو موظفين يهود من أميركا وأوروبا انتقلوا للعيش والعمل في الإمارات مع مطلع الألفية، وتحولوا بقدرة قادر إلى "جالية يهودية"، حتى دون أن يكونوا مواطنين في الإمارات. يمكن تسميتهم بـ"الجالية الصهيونية" أو اللوبي الصهيوني.

هذا لا يعني أنه يجب حرمان أتباع الديانات المختلفة في الخليج وغيره من حرياتهم الدينية والعقائدية، فهذا أمر مفروغ منه، لكن الممنوع هو اختراع جاليات هي غير قائمة أصلا، واستغلالها لأهداف سياسية لنيل الرضا الأميركي. هذا عمليًا تجارة واستغلال للديانة اليهودية ولليهود أنفسهم.

ومن يحترم المعتقدات الدينية ويدافع عن حريات معتنقيها في كل مكان، وليس في الخليج فقط، عليه أن ينبذ استغلال السياسة للدين، وعليه أن يتساءل عن الحريات الدينية تحت النظام الإسرائيلي، ألم تهدم هذه الدولة مقدسات المسلمين والمسيحيين وشيّدت عليها أبنية، وما زالت مستمرة بذلك كما يحصل في يافا مؤخًرا، وكما يحصل يوميًا في القدس المحتلة وفي المسجد الأقصى تحديدًا.

اختراع الجاليات الدينية لأهداف سياسية هو إساءة للدين ولأصحاب المعتقدات الدينية أولا وقبل كل شيء. وما يسمى التعايش بين الأديان، تحوّل إلى أداة بيد السلطان لتطويع الدين لأهدافه، وليس بهدف التعايش الفعلي.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ