بخصوص مقالة سلام فياض عن حل الدولة وحل الدولتين

بخصوص مقالة سلام فياض عن حل الدولة وحل الدولتين

في الوقت الذي أصبح واضحًا وضوح الشمس أن حل الدولتين الذي راهن عليه اليمين واليسار منذ عام 1988، بل وقبل ذلك، ومعهما "اليسار" الصهيوني، وما اصطلح على تسميته بالمجتمع الدولي، أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قد وصل نهاياته. ويعود ذلك إلى أنّ إسرائيل أساسا دولة استعمار استيطاني تسعى للهيمنة الكاملة على كل أرض فلسطين التاريخية، وبالتالي كانت قد بادرت بإعلان قبولها بحل الدولتين مع اتخاذ كل الخطوات العملية التي تمنع إقامة الدولة الفلسطينية، من مصادرة الأراضي التي كان من المتوقع أن تقام عليها هذه الدولة، إلى إقامة جدار عازل، وحصار غزة وعزلها بالكامل، ومضاعفة عدد المستوطنين، والبدء بتطبيقها خطة الضم الأخيرة. وعلى الرغم من "وجود الفيل في الغرفة" منذ البدء بتطبيق اتفاقيات أوسلو عام 1993 التي تنكرت لمعظم الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، إلا أن التيارات الفلسطينية الرئيسية إما رفضت أن ترى ذلك أو أنها لم تتمكن من ذلك بسبب بنيتها الطبقية.

فقط إدوارد سعيد ومجموعة صغيرة من المثقفين والنشطاء النقديين لم يبلعوا طعم "حل الدولتين" لأسباب مبدئية ترى حقًا أنه ليس بحل، بقدر ما هو هبة تقدم للمستعمِر الأشكنازي على طبق من ذهب. وأنّه يتنكر للحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، تلك الحقوق التي كفلتها الشرعية الدولية، على علاتها، من عودة ومساواة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه. ناهيك عن كونه حلًا عنصريًا بامتياز يعمل على الفصل بين مجموعتين تعيشان على بقعة جغرافية واحدة من الأرض، مع تبرع المستعمَر بـ78% من أرضه لصالح المستعمِر. بمعنى أن هذا "الحل" ولد ميتًا منذ نشأته. ولكنّه، وبسبب تعبيره عن مصالح واضحة المعالم، رُوّج له من خلال ماكينة إعلامية هائلة ورصد مليارات الدولارات لبيع هذا الوهم.

وها قد وصل الجميع للحظة الحقيقة بعد 27 عامًا من اتفاقيات أوسلو بعد أن أزال اليمين الصهيوني بقيادة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، القناع الذي استخدمه "اليسار" الصهيوني لبيع الوهم. ولا شك أن هيمنة اليمين العربي ما قبل ثورات الربيع وما بعدها ووجود تحالفات، علنية ومعظم الأحيان سرية، مع اليمين الصهيوني، قد ساهمت في ترويج هذا "الحل" على أنّه "الحل الوحيد للصراع". لكن يبدو أن أصحاب القرار في واشنطن وتل أبيب ملّوا من سيمفونية "حل الدولتين"، وبالتالي تم طرح صفقة ترامب و"خطة الضم" للإعلان عن الدخول في مرحلة جديدة. مرحلة ما بعد وهم الدولتين والبدء بالكشف عن طبيعة نظام الأبرتهايد الوحيد المسيطر على فلسطين التاريخية بين نهر الأردن والبحر المتوسط. وهذا ما أثار حفيظة الليبرالية الغربية وحليفتها العربية التي لطالما باعت الوهم للعالم.

ومن هذا المنطلق، فإن وصول أسماء لامعة في عالم الليبرالية والنيوليبرالية، من الصحفي الأميركي اللامع، من أصول يهودية ليبرالية، بيتر بينارت، إلى رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، سلام فياض، إلى نتيجة حل الدولة الواحدة نابع ليس من فهم لضرورة تفكيك منظومة الاستعمار الاستيطاني التي تمثل البنية الأساسية لإسرائيل، بل بسبب "موت حل الدولتين" الذي هو في الأساس حل عنصري بامتياز.

أيّة قراءة دقيقة لمقالَتَي بينارت وفياض، وهما مقالتان لا شك جديرتان بالقراءة بتمعّن، تؤدي لنتيجة واحدة: التخلي عن فكرة حل الدولتين هو رد فعل على الخطوات التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية وأدت لوصولهما إلى فكرة دولة واحدة بحقوق متساوية لمواطنيها.

سأقوم بالتركيز أكثر على مقالة سلام فياض المعنونة "إجراءات الضم الإسرائيلية تستدعي فعلًا فلسطينيًا طال انتظاره" في جريدة "الشرق الأوسط"، والتي يغازل بها "حل الدولة الواحدة" بعد أن كان هذا الحل يستخدم كفزاعة خلال فترة توليه رئاسة الوزارة. وجدير بالذكر في هذا السياق أنّه قبل فترة زمنية ليست بالبعيدة ابتُدِعَ مصطلح "الفيّاضيّة" للتعبير عن السياسة النيوليبرالية التي اتبعها فياض بدعم غربي، والعمل على توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعقيدة أمنية واضحة المعالم. مع عدم التخلي عن استمرار العلاقات التطبيعية مع إسرائيل على الرغم من استمرارها ببناء وتوسيع المستوطنات وسرقتها للأرض الفلسطينية، وبناء الجدار العازل، وعزل غزة بالكامل في حصار قروسطي، بمعنى قتل حل الدولتين وهو في رئاسة الوزارة. بل تُوّج كلّ ذلك بخلق ما أسماه فياض بـ"الفلسطيني الجديد"، أي ذلك الفلسطيني الذي لا يرى أي فائدة في مقاومة الاحتلال، ويرى أن "الحوار" مع إسرائيل ضروري للوصول إلى حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، بغض النظر عن الحقائق على الأرض التي قامت إسرائيل بخلقها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو والتي جعلت "حلم الدولة" مستحيلًا، وهي النتيجة التي يصل إليها الآن باستحياء.

وحتى يكون النقد موضوعيًا، فإن الدكتور فياض لا يصل إلى نتيجة أنّ حل الدولة الديمقراطية هو الحل الوحيد المتبقي والممكن. فبعد تحليل دقيق للوضع الراهن الذي لا شك وأنه ساهم في إيصالنا إليه، وضرورة مواجهة هذه اللحظة التاريخية الفارقة يدعو "للسعي الحثيث للتوافق على صيغة لموقف وطني جامع، تقوم منظمة التحرير نفسها بالإعلان عنه"، ثم يقوم بطرح هذا الموقف من خلال "القبول بأَيٍ من الخيارين التاليين كمخرج لعملية سياسية، تهدف إلى الوصول إلى حل مرضٍ للقضية الفلسطينية، ألا وهما أولًا، دولة واحدة على كل أرض فلسطين التاريخية، يكفل دستورها المساواة التامة لسائر مواطنيها، ودونما أي تمييز بينهم على أي أساس كان. أو ثانيًا، دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما يشمل القدس الشرقية، بكاملها، وذلك شريطة أن يسبق أي عملية سياسية تهدف لتحقيق ذلك اعتراف أممي، بما في ذلك إقرار من قِبل إسرائيل نفسها، بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني كما عرفتها الشرعية الدولية، وتحديدًا، حق العودة وفق القرار الأممي 194، والحق في تقرير المصير، بما يشمل الحق في دولة مستقلة كاملة السيادة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967".

مرة أخرى، لا زال الأمل يراود د. فياض، وبعد مرافعة طويلة عن جرائم إسرائيل وخلقها وقائع على الأرض تُطيح إمكانية إقامة الدولة-البانتوستان، على "موقف وطني جامع" لإقامة "دولة فلسطينية مستقلة على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967". وهي عودة لثنائية إما/أو وما تعنيه من رسائل تخويف لإسرائيل. فالدكتور فياض بعد أن قضى سنوات طوالا في رئاسة الحكومة الفلسطينية باذلًا مجهودا كبيرا لبناء "مؤسسات الدولة" لم يعد لديه مانع في مناقشة طرح حل الدولة كون هذه "المؤسسات" مهددة بالانهيار الكامل.

من الصعب تخيل أن د. فياض لم يقرأ إدوارد سعيد أو جوزيف مسعد أو علي أبو نعمة أو عمر البرغوثي أو عوض عبد الفتاح أو غادة الكرمي أو حتى إيلان بابيه وغيرهم من الكتاب النقديين الذين طرحوا الحل القديم-الجديد الذي يأخذ حقوق جميع سكان فلسطين التاريخية بعين الاعتبار، بغضّ النظر عن الدين واللون والجنس. ولا شك أن رجلا بذكاء وثقافة الدكتور يعلم أن هذا يتناقض مع الحل العنصري الثاني الذي لا زال يحلم به، بل ويدعو "لموقف وطني جامع" حوله.

والحقيقة أنه كثر في الفترة الأخيرة الحديث عن عدم جدوى الدخول في ما أطلق عليه 'ثنائية حل الدولة الواحدة وحل الدولتين". وهذا، من وجهة نظري المتواضعة، هروب من ضرورة طرح رؤى سياسية خلاقّة، وعملية، من قبل المستعمَر المضطهَد كونه من ناحية يناضل ضد أشكال متعددة من الاضطهاد، ومن ناحية أخرى يمتلك الأرضية الأخلاقية العليا التي يجب وضعها في سياق تحرري. إن تمسّك الحركة المقاومة لنظام الأبرتهايد، الجبهة الديمقراطية المتحدة، في القرن المنصرم لعشرات السنين ببرنامج يتحلى برؤية سياسية واضحة المعالم -صوت لكل مواطن- لم تعتمد أساسًا على المساواة بين حل عنصري يقوم على أساس الفصل بين السكان بسبب العرق أو المعتقد الديني من ناحية حل الـ5 دول المستقلة، وبين حلّ تحرري يقوم على أساس المساواة الكاملة في فضاء ديمقراطي تعددي، أي حل الدولة الديمقراطية الواحدة. وهو حل لا يتناقض مع القانون الدولي، كما يُحاجج البعض.

إن إلصاق صفة "ثنائية" على الطرحين غير دقيق ويضعهما في كفتين متساويتين من ناحية القيمة والهدف، وأن كانا متناقضتين، وبالتالي يحتاج لمراجعة. فلم يكن بالإمكان الحديث، مثلا، عن "ثنائية " المساواة (في إطار ديمقراطي) والأبرتهايد، ما لا يأخذه هذا الطرح، أيضًا، هو أن حل الدولتين الذي يجب أن يتم رفضه بسبب عنصريته لا يتعامل مع الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاث على عكس حل الدولة الواحدة.

النضال من أجل دولة ديمقراطية علمانية في سياق برنامج يسعى لتحرير فلسطين، هو فكرة شرعية وأخلاقية، على الرغم من الخلل الهائل في توازن القوى لصالح المستعمِر الكولونيالي الذي لا يعترض مبدئيا على فكرة حل "الدولتين"، كونه حلًا عنصريًا لا يتناقض مع البنية الأيديولوجية لمشروع الاستعمار الاستيطاني.

اقرأ/ي أيضًا | تفنيد مقال سلام فياض

تأتي هذه المقالة في سياق ما نأمل أن يكون بدايةً لحوار فلسطيني داخلي، ليس عن قضايا فرعية وهامشية تتعلق بخلافات فصائلية أتت على حساب القضية المركزية لشعبنا. بل لطرح حلول خلاقة تركز على قائمة حقوقنا كاملة من حرية وعدالة ومساواة بلا أي نقصان.


* أكاديمي، ومحلل سياسي.