انزلاقات الوعي الوطني الفلسطيني والمقاربة الجنوب أفريقية

انزلاقات الوعي الوطني الفلسطيني والمقاربة الجنوب أفريقية

علينا، كما السود في جنوب أفريقيا في عقدي السبعينيّات والثمانينيّات من القرن المنصرم، الانخراط في حوارات عاجلة لمحاولة فهم نظام الفصل العنصري الذي نواجهه. ومثلما جادلت الكتلة الأقوى داخل الحركة المناهضة لنظام الأبرتهايد هناك، بالذات "المؤتمر الوطني الأفريقي"، بأن الفصل العنصري هو نظام هيمنة عنصرية، وأن الكفاح ينبغي أن يتمحور حول القضاء على السياسات العنصرية والمطالبة بالمساواة بموجب القانون، يميل التيار الوطني السائد في فلسطين من ناحية إلى التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي لمناطق الـ67 كاحتلال كلاسيكي من دولة لدولة أخرى، ومن ناحية أخرى اعتبار الكفاح في مناطق الـ48 نضالًا من أجل مساواة سياسية. إلا أنه كان هناك أيضًا تيار من الراديكاليين السود الذين رفضوا التحليل المهيمن لحزب المؤتمر الوطني، وركّزوا على تحليل الفصل العنصري كنظام "رأسمالية عنصرية" ما يحتم تطوير البرنامج الكفاحي لمجابهة دولة الاستعمار الاستيطاني الأبيض والنظام الرأسمالي العنصري في نفس الوقت، حيث تنبأوا بأن تظل جنوب أفريقيا بعد القضاء على الفصل العنصري منقسمةً ولا مساواة فيها، ما لم تواجَه العنصرية والرأسمالية معًا.

فلسطينيًا، تتجلى انزلاقات الوعي الوطني الفلسطيني في الفترة الأخيرة في عدم تعامله مع نظام الحكم الإسرائيلي في فلسطين التاريخية وتحديه، واقتصار ذلك على المناطق التي احتلت عام 1967 فقط. في الحالة الجنوب أفريقية كان لا يمكن تصور طرح "حق" نظام الأبرتهايد في الوجود على 78% من أرض جنوب أفريقيا. أصبح من الواضح أن ما نجح به حل الدولتين على مدار العقود الماضية هو منح الوقت الكافي لتحقيق الأهداف الإسرائيلية، وفي نفس الوقت منح سكان الضفة الغربية وقطاع غزة أملًا كاذبًا بالاستقلال، بشكل يشابه إلى حدّ ما دعاية نظام الأبرتهايد بخصوص منحه "شعوب جنوب أفريقيا" السود "أوطانًا مستقلة" (بانتوستانات) على ما يقارب 12% من أرض جنوب أفريقيا. وعليه فإن الخطوة الضرورية الأولى الآن تبدأ بتحويل الخطاب السياسي في فلسطين التاريخية من الاستقلال إلى إنهاء الاستعمار الاستيطاني وتجلياته من احتلال وأبرتهايد وتطهير عرقي ممنهج.

والحقيقة أنه يتحتم علينا تجاوز ثنائية حل الدولة وحل الدولتين كون "الحل" الثاني لا يشكلّ الحد الأدنى من العدالة المطلوبة، حيث أنه لا يجسّد حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير، إلا في حالة تخلّي اللاجئين الفلسطينيين وسكان فلسطيني الـ48 عن حقوقهم الأساسية والمكفولة في القانون الدولي. وهذا بحد ذاته سيناريو لا يقل سريالية عن سيناريو "حل الدولتين". وفي حالة تجاوز هذه الثنائية، يبرز سؤال النموذج الجنوب أفريقي وانزلالقاته نحو أبرتهايد اقتصادي-اجتماعي بعد القضاء على تجلياته السياسية من تفرقة عنصرية فجة.

فلا شك أن القضاء على الفصل العنصري المقنن في 1994 واكتساب السود في جنوب أفريقيا المساواة بموجب القانون، بما في ذلك الحق في التصويت، والحق في السكن في أي مكان، والحق في التنقل دون تصريح، وكان ما مرت به الدولة من انفتاح على الديمقراطية يعد إنجازا مبهرا لنضالات وتضحيات الشعب الجنوب أفريقي. كما أن العملية الانتقالية هناك برهنت إمكانية التعايش السلمي على أساس المساواة القانونية والاعتراف المتبادل.

ولكن، من ناحية أخرى، تمّ ذلك على حساب التعامل الجدي مع هياكل الرأسمالية العنصرية، كما شخصها بعض النقديين الأفارقة، بما فيهم ستيف بيكو ونيفيل أليكساندر. فقد قام حزب "المؤتمر الوطني الأفريقي" بتقديم تنازلات كبيرة أثناء المفاوضات مع نظام الأبرتهايد لضمان تأييد النخبة الرأسمالية البيضاء. وهذا بدوره، بالإضافة إلى تبنّي سياسة اقتصادية تقوم على أساس إعادة الهيكلة النيوليبرالية، أدى إلى ظهور نخبة صغيرة من القطط السمان من السود، دون أن يؤثر ذلك على النخبة البيضاء القديمة التي عززت سيطرتها على معظم الأراضي والدخل القومي.

من هنا، تبرز أهمية وضرورة المقاربات مع التجربة الجنوب أفريقية التي يتبعها بعض النشطاء والمثقفين الفلسطينيين واعتمادها على التعريفات القانونية التي تعتبر الأبرتهايد جريمة ضد الإنسانية، وتحتّم على المجتمع الدولي مقاطعة النظام الذي يمارسه. كما أن التحولات الدولية منذ نهاية القرن المنصرم تسير باتجاه التحولات الديمقراطية التي تتخطى العرقية والعنصرية... إلخ.

ولكن، من الضروري، أيضًا، عدم إغفال محدودية التحول في جنوب أفريقيا والتركيز قدر الإمكان، كما فعل بعض النشطاء النقديين من تيار الوعي الأسود وبعض الماركسيين الجنوب أفارقة، على التعامل مع الفصل العنصري الإسرائيلي كنظام رأسمالي عنصري، بالإضافة للتعريف القانوني الليبرالي. فمفهوم الرأسمالية العنصرية يبرز البنية المشتركة بين مراكمة رأس المال والتكوين العرقي- الإثني -الديني في إسرائيل، ويؤكد استحالة القضاء على الهيمنة الصهيونية أو عدم المساواة الطبقية دون معالجة النظام برمته. بمعنى أن النضال من أجل دولة ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني يتطلب بالضرورة التصدي لاقتصاديات الفصل العنصري من أجل تجنّب القيود الحقيقية على عملية تفكيك الاستعمار، وعدم الوقوع في فخ إعادة هيكلة الأبرتهايد. وهذا يتطلب ممن تخطى وهم حل الدولة الوطنية المستقلة على حدود الـ67 العمل على صياغة إستراتيجيّات تتصدى للعنصرية والرأسمالية النيوليبرالية الإسرائيلية. من الواضح، في هذا السياق، أن القوى التي كان من المتوقع أن تتصدى لهذه المهمة، قد مرت بعملية أنجزة، ربيبة الأسلوة، نجحت في تحويل الوطنية النقدية لوظيفة براتب شهري، لدرجة تبني الطرح اليميني لمفهوم الوطنية الفلسطينية وحصر ذلك في مفهومي "الاستقلال" و"الدولة الوطنية!"، كل ذلك جاء من خلال ثقافة "أوسلوية" لم توفر لا الحرية (67) ولا المساواة (48)، وإنما إعادة هيكلة علاقات الهيمنة بين المستعمِر الرأسمالي الأشكنازي الأبيض، والمستعمَر الفلسطيني. ويمكن القول باختصار إنّ اتفاقيات أوسلو، التي روّج لها أنّها مقدمة للاستقلال الفلسطيني، عزّزت المشروعَ الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي من خلال خلق حقائق استيطانية على الأرض وصولًا لصفقة ترامب التصفوية و"خطة الضم" الليكودية اللتين وجّهتا رصاصة الرحمة لحل الدولتين العنصري.

كل ذلك يستدعي ضرورة التفكير النقدي في عملية التحرير، وليس الاستقلال، وربط تفكيك الاستعمار الإسرائيلي بعملية التحول من الوعي الوطني إلى الوعي السياسي والاجتماعي، تجنبًا للإشكاليات ما بعد الكولونيالية.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ