كارثة لبنان تعيدنا إلى أبجديات الثورة

كارثة لبنان تعيدنا إلى أبجديات الثورة

في اللحظات الأولى بعد الانفجار، كبلّت هذه الكارثة اللبنانية المروعة المتولدة عنه، أقلام العديد من الكتاب والمثقفين اللبنانيين والعرب الناقدين للحالة اللبنانية، ودفعت بآخرين إلى تلطيف لغتهم النقدية ضد مكونات النظام الطائفي في هذا البلد العربي، على اعتبار أن الفاجعة لا تحتمل المناكفات السياسية، ولا حتى المطالبة الفورية بالمحاسبة. وشعر هؤلاء أن اللحظة تستدعي التضامن الداخلي في مواجهة ما يقارب الخطر الوجودي، الذي لا يهدد الدولة غير الموجودة فحسب، بل أيضًا حياة المجتمع برمته الذي يقبع بغالبيته تحت أثقال من المحن الصحية، والاقتصادية، والاجتماعية والأمنية.

وعززت مظاهر التضامن الشعبي السريعة، والتجند لتنظيف الشوارع ومساعدة المنكوبين، في اليوم التالي لوقوع المصيبة، استبعاد انطلاق مظاهر الغضب الشعبي في الوقت القريب. في المقابل شعر آخرون أن جريمة بهذا الحجم ومن هذا النوع غير المسبوقة، وكونها تتويجًا لسلسلة طويلة من جرائم الفساد، ونتاج مباشر لعطب بنيوي لنظام تقادم عليه الزمن، لا تسمح بالانتظار أو التمهل في تجديد المعركة ضد أمراء الطوائف ومنظومتهم الإجرامية.

غير أن انطلاق المظاهرات والمواجهات العنيفة مع قوات الأمن اللبنانية بهذه السرعة، وعلى وقع الدمار والآلام، وقبل أن تجف دماء الضحايا، فاجأ الكثيرين؛ وهذا يعكس المستوى الذي بلغه الغضب والشعور الشعبي بالفاجعة، خصوصًا وأن لا أحد من المسؤولين قدم استقالته مباشرة بعد الحدث. وتبيّن أنّ جمرة انتفاضة 17 تشرين، التي هي امتداد للحراكات الشعبية المتقطعة منذ عام 2011 لا تزال متوقدة، والتي تعكس تواصل روح التمرد بين الأجيال الشابة والإصرار على إسقاط المجرمين. لقد تراجعت انتفاضة 17 تشرين بعد إجبار حكومة سعد الحريري على الاستقالة، وبسبب جائحة كورونا، دون أن تحقق هدفها الرئيس. كما لتراجع تلك الانتفاضة أسبابها الذاتية، تتعلق بغياب قيادة موحدة وواضحة ومحاولة ركوبها من قبل قوى طائفية فاسدة، ومرتبطة بالتحالف الأميركي - الإسرائيلي (القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، والكتائب، وأوساط في تيار المستقبل وغيرها)، التي أرادت أن تركز الانتفاضة ضد حزب الله في الأساس؛ ولأسباب أخرى تتعلق بتعرضها لحملة تحريض وتشكيك أو تشويه من قبل قوى من المفترض أن تقف مع الانتفاضات اللبنانية والعربية ولكنها لم تفعل، لا في السابق ولا في الحاضر، مثل حزب الله.

وفي السياق نفسه، افترق حلفاء لحزب الله في موقفهم تجاه انتفاضة 17 تشرين والاحتجاجات التي اندلعت بعد انفجار المرفأ، مثل الحزب الشيوعي اللبناني بقيادة أمينه العام الحالي، حنا غريب، وكذلك التنظيم الشعبي الناصري بقيادة أسامة سعد، إذ وقف هذان التنظيمان وانخرطا في الانتفاضة من دون تحفظ، مع انتقاد لمحاولات قوى الطبقة السياسية الفاسدة توظيف الغضب الشعبي لصالح أجنداتها، وانتقاد لحزب الله لمعاداته لهذه الانتفاضات. وافتخر الحزب الشيوعي، في بيان رسمي، صدر، قبل أيام، يوم 10 آب/ أغسطس، أي على أثر تجدد المواجهات، بأنه كان له مساهمة "في هذا الوعي السياسي عند اللبنانيين، الذي أدى إلى نزولهم إلى الشوارع لأنه لا يمكننا أن نواجه الأميركي والصهيوني دون أن نتحرر من هذه الطبقة السياسية". ولهذا، يرى نشطاء مركزيون مستقلون في الانتفاضة اللبنانية أنها لم تقع في مستنقع التجاذبات بين قوى 14 آذار و8 آذار، "لأنه لم يعد هناك قوى يمكن فرزها وفق هذين المعسكرين، فالخصومة موجودة داخل كل فريق سياسي، حتى الحلفاء أنفسهم، مما يؤكد على تجذر الأزمة لدى أركان النظام".

يعيدنا كل ذلك إلى مسألة الانتفاضات والثورات العربية، وخلفياتها ودوافعها، بموجاتها الأولى والثانية، وإلى التعطش إلى التغيير في الوطن العربي؛ وهي الثورات التي أرادت أن تقطع دابر الفساد واستعادة الدولة من مافيات الطغيان والاستغلال، وأن تخلق حياة جديدة عادلة وآمنة للمواطن العربي. كما يعيدنا إلى مفاهيم التحرر والحرية، ومركزية الانسان، وحياته وحريته، وضرورة نشر الفكر الحضاري والديمقراطية، ومفاهيم التغيير، وبناء حركاتنا وأحزابنا السياسية ومجتمعاتنا على هذه المفاهيم، حتى نتحرر من هوامش التاريخ، ونؤمن الطريق إلى العصر والحياة لأبنائنا وأحفادنا. كما وتعيد التذكير ما يطرحه مثقفون ومناضلون، منذ سنين طويلة، بأن مقاومة العدوان الخارجي لا يمكن أن تكون بمعزل عن تقوية جبهة الداخل وإرضاء المواطن. لقد أسقطت الثورات العربية خرافة الأنظمة والحركات التي لا تقيم وزنًا للمواطن الفرد، وتسعى إلى إسكاته وإجباره على قبول الظلم الداخلي، كثمن "لتحرير فلسطين" أو لحين التفرغ من "المعركة مع الإمبريالية".

لكن للأسف، وكبقية التجارب الشعبية العربية ضد الطغيان، فإن الانتفاضة اللبنانية التي تتجدد الآن بعد انفجار المرفأ، ستدخل أيضًا طريقًا وعرًا وخطرًا، وسينتظر اللبنانيون طويلا، وسيتكبدون ثمنا كبيرًا قبل تحقيق تحول حقيقي في حياتهم.

قد يُسهّل تدويل الأزمة اللبنانية نشاط وحراك المنتفضين في دفع الطبقة السياسية إلى الزاوية وإضعاف قدرتها على المناورة، ولكن لهذا التدويل مخاطر حقيقية على سيادة البلد واستقلاله، لأنه سيخضع لشروط وقيود تكبل خياراته.

يواجه اللبنانيون نظامًا سياسيًا عفنًا يعيد إنتاج نفسه منذ عشرات السنين، كنظام يقوم على التوزيع الطائفي بدل الصراع الطبقي والمساواة على أساس المواطنة المتساوية. إنّ الفساد الإجرامي الذي يناضل ضده المنتفضون منذ شهور هو بنيوي، ولهذا يطالب الثوار الحقيقيون، المنظرون باسمهم، إسقاط هذا النظام وأيديولوجيته الطائفية والتخلص من شروره إلى الأبد. وهذا الهدف لن يتم بضربة واحدة، ولا في المدى المنظور؛ غير أن هذه الكارثة المرعبة ستغير لبنان، وتهزُّ مسلمات وتقاليد استمرت لأكثر من ثمانين عامًا.

لبنان قطر عربي عزيز، أنتج حرية الصحافة والحرية الأكاديمية والثقافية والحريات، كما احتضن الثورة الفلسطينية وأنتج حركات المقاومة اللبنانية، ووقف في وجه العدوان الإسرائيلي وحده، وطرد المحتل من دون شروط. غير أن التورط في قمع ثورات عربية وتوفير حماية لأنظمة الطغيان والمذهبية والفساد وشرعنتها، قوض تلك الإنجازات والبطولات، وتبيّن أن كل ذلك لا يحمي لبنان ولم ينقذه من طبقته السياسية، بل ساهم بوعي أو بغير وعي، في إغراقه في بحر من الخراب والحزن والفقدان. تلك هي النتيجة العملية الماثلة للعيان.

إنها مناسبة للمراجعة وحساب الذات وتصويب الطريق. إن لم تأت من فوق فإنها ستأتي من تحت، من الناس، مهما طال الزمن.