مصالح إسرائيل بالإمارات

مصالح إسرائيل بالإمارات

بين أسباب التوصل إلى اتفاق التحالف وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، ومع دول أخرى لاحقا، وجود قناعة لدى جميع الأطراف بأن حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ليس واقعيا، على الأقل في الظروف الحالية والمستقبل المنظور. والمتهم الأساسي في هذا الوضع هي إسرائيل، التي سعت خلال العقود الماضية إلى ترسيخ الاحتلال وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وتغذية الانقسام الفلسطيني، وحتى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، جمّد المفاوضات مع الفلسطينيين بالكامل، منذ ست سنوات على الأقل.

وخلال خطاباته وتصريحاته، طوال السنوات الـ11 الماضية لحكمه، شدد نتنياهو على معارضته لقيام كيان فلسطيني بين النهر والبحر، بينما السلطة الفلسطينية ليست بنظره، وبنظر معظم الإسرائيليين طبعا، أكثر من كيان يعفي إسرائيل من تحمل المسؤولية عن الفلسطينيين، بدون تكلفة مادية تُذكر عمليا. ويضاف إلى ذلك، أن السلطة تطوعت بتنسيق أمني يعزز أمن إسرائيل ومواطنيها ومستوطنيها وجنودها، ويقمع أنشطة فلسطينية لا تروق لقيادة السلطة، مثلما تفعل حركة حماس في قطاع غزة.

وليس هذا وحسب، فكثير من الدول العربية، التي أقامت "علاقات سرية" (معروفة) مع إسرائيل، وأولها الأردن، رأت أن بإمكانها الانتقال إلى علاقات دبلوماسية رسمية بعد توقيع اتفاقيات أوسلو. كما عززت تركيا، ودول إسلامية أخرى، علاقاتها مع إسرائيل بعد أوسلو. وبدا حينها أن إسرائيل بدأت تجني "ثمار السلام" مع الفلسطينيين.

غير أن "ثمار السلام" هذه لم تكن أبدية، لسبب بسيط، وهو أنه تبين أن إسرائيل ترفض قيام دولة فلسطينية، ما دفع الشعب الفلسطيني إلى الانتفاض، عام 2000، وسط قمع إسرائيلي مفرط بشدته، وثلاثة حروب على قطاع غزة، أدى إلى تراجع علاقات بعض الدول العربية وتركيا مع إسرائيل، وخاصة في العام 2009. لكن التعاون الأمني والتجاري وغيرهما بين إسرائيل والعديد من الدول العربية استمر.

ومنذ عودته إلى الحكم، سعى نتنياهو إلى قلب معادلة حل الصراع، من سلام مع الفلسطينيين أولا وبعده سلام مع الدول العربية، إلى سلام مع الدول العربية بادعاء أنه سيجلب في النهاية سلاما مع الفلسطينيين. لكن في هذا السياق، صرح نتنياهو وغيره من وزراء حزب الليكود، وأيدهم باحثون وصحافيون، بأن معادلة حل الصراع الجديد ستجعل دولا عربيا تمارس ضغوطا على الفلسطينيين من أجل أن "يقدموا تنازلات" خلال مفاوضات مع إسرائيل.

ويبدو الآن، أن مخطط ضم مناطق في الضفة الغربية إلى إسرائيل هو أحد "التنازلات" التي يتعين على الفلسطينيين تقديمها، بنظر نتنياهو. ورغم الادعاء بأن الإمارات وافقت على جعل علاقاتها مع إسرائيل علنية ورسمية، بعد تراجع إسرائيل عن الضم، إلا أن نتنياهو شدد لدى إعلانه عن الاتفاق مع الإمارات، مساء 13 الشهر الجاري، أنه "لا يوجد أي تغيير في خطتي لفرض سيادتنا في يهودا والسامرة، بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة. وأنا ملتزم بذلك، وهذا لم يتغير. وهذا الموضوع باق على الطاولة ، وقد عملت عليه طوال ثلاث سنوات...". كذلك شدد نتنياهو مرارا، في الأيام الأخيرة، على معارضته لصفقة أسلحة تشتري الإمارات من خلالها طائرات F35 من الولايات المتحدة.

هذه التصريحات وغيرها، التي تصب في التعبير عن الإصرار الإسرائيلي على تنفيذ الضم، علنية، ولا شك أن الإمارات وغيرها من الدول الراغبة بالتطبيع والانضمام إلى الحلف الإسرائيلي – الإماراتي على دراية بها. وهذا لن يجعلها تتراجع، وكأن العقيدة العربية هي أن التنسيق الأمني سيتواصل وليس مهما ما تفعله إسرائيل.

إسرائيل، من جانبها، تولي أهمية لاتفاقيات "سلام" رسمية مع دول عربية، خاصة في ظل "العقيدة العربية" آنفة الذكر. فاتفاقيات كهذه تسمح لها بممارسة سياستها ضد الفلسطينيين، وضد المحور الإيراني في لبنان وسورية والعراق، فيما هي تحصل على شرعية من "الدول العربية المعتدلة والبراغماتية"، التي تعتبر أن حرب إسرائيل على هذا المحور، وكذلك على غزة، تصب في إطار محاربة عدوتهم، إيران.

إلى جانب ذلك، ستحقق إسرائيل من الاتفاق مع الإمارات مكاسب اقتصادية. وقال نتنياهو في بيانه المذكور أعلاه، إن "دولة الإمارات المتحدة ستستثمر في إسرائيل استثمارا كبيرا جدا في تطوير لقاح لكورونا. كما أننا سنتعاون في الطاقة، المياه، حماية البيئة وفي مجالات كثيرة أخرى. وهذا هام جدا لاقتصادنا، ولاقتصاد المنطقة، ولمستقبلنا". زد إلى ذلك أن نتنياهو سيستخدم بدون شك اتفاقا كهذا في حملته في انتخابات للكنيست قريبة، سواء جرت في العام الحالي أو بداية العام المقبل.

لا ينبغي من كل ما تقدم، أن يدب اليأس بالقلوب، رغم ادعاء نتنياهو بأن الاتفاق مع الإمارات "يدل على تغيير دراماتيكي في مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، بعدما صُورت طوال عشرات السنين كعدوة ومصدر انعدام استقرار في الشرق الأوسط، ترى دول كثيرة جدا بإسرائيل اليوم أنها حليف إستراتيجي للاستقرار والأمن والتقدم والسلام أيضا".

لكن نتنياهو يتجاهل هنا حقائق عدة، أهمها أن إسرائيل تصنع سلاما مع أنظمة استبدادية وحكام يهمهم البقاء في السلطة. وهو يعلم ذلك. فقد قال خلال المقابلة مع "سكاي نيوز عربية" الظبيانية، إن "إسرائيل والإمارات هما دولتان ديمقراطيتان". وهذه الجملة جعلته يزيل فيديو المقابلة من حسابه في "تويتر" بعد وقت قصير جدا من نشره.

والحقيقة الثانية، أن الشعوب العربية بغالبيتها الساحقة لا تزال تنظر إلى إسرائيل أنها دولة معادية لهم، ويرفضون ممارساتها كدولة احتلال على الأقل. ولذلك، يحذر إسرائيليون كُثر، باحثون وصحافيون وسياسيون أيضا، من غضب الشارع العربي، واحتجاجه على ممارسات إسرائيل، مثل إحراق سفارتها في القاهرة، والمطالب المتكررة في الأردن بإلغاء اتفاقية السلام وطرد السفير الإسرائيلي من عمان، وتشير إلى غليان شعبي، والأنباء التي تتردد في الأيام الأخيرة حول وجود معارضة واسعة بين الإماراتيين للتحالف مع إسرائيل، وعدم تجرؤ حاكم السعودية، محمد بن سلمان، على إبرام تحالف مشابه، تحسبا من رد فعل شعبه.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص